مفهوم الحياة الفكرية

كتابة لطيفة السهلي - تاريخ الكتابة: 19 مايو, 2020 9:39 - آخر تحديث :
مفهوم الحياة الفكرية


Advertising اعلانات

مفهوم الحياة الفكرية نقدمها اليكم من خلال بعض الكلمات البسيطة والسهلة في هذه السطور التالية.

الحياة

كلمة حياة كلمة متعددة الأوجه تستخدم استخدامات عديدة حسب مجال الكلام ونوعه. فقد تدل على مجمل الأحداث الجارية التي تحدث على الأرض وتشارك بها كافة الكائنات الحية. وقد تدل على الفترة التي يحياها كل كائن حي بين ولادته -عندما يعتبر كينونة مستقلة حية- إلى لحظة موته وانقطاعه عن أي فعالية حية ملحوظة. تستخدم كلمة حياة أيضا لتدل على حالة الكائن الحي الذي يستطيع بفاعليته أن يثبت وجوده وأنه لم يمت بعد.

الحياة العقلية للعرب في الجاهلية

العرب في جاهليتهم كان أكثرهم بدوًا، وأن طور البداوة طور اجتماعي طبيعي تمر به الأمم أثناء سيرها إلى الحضارة، وتزيد الآن أن هذا الطور الطبيعي له مظاهر عقلية طبيعية.
ففي مثل هذا الطور الذي كانت تمر به العرب في الجاهلية يتجلى ضعف التعليل، أعني عدم القدرة على فهم الارتباط بين العلة والمعلول والسبب والمسبب فهمًا تامًّا، يمرض أحدهم ويألم من مرضه فيصفون له علاجًا، فيفهم نوعًا ما من الارتباط بين الدواء والداء، ولكن لا يفهمه فهم العقل الدقيق الذي يتفلسف، يفهم أن عادة القبيلة أن تتناول هذا الدواء عند هذا الداء، وهذا كل شيء في نظره؛ لهذا لا يرى عقله بأسًا من أن يعتقد أن دم الرئيس يشفي الكَلَب، أو أن سبب المرض روح شرير حل فيه فيداويه بما يطرد هذه الأرواح، أو أنه إذا خيف على الرجل الجنون نجسوه بتعليق الأقذار وعظام الموتى، إلى كثير من أمثال ذلك، ولا يستنكر شيئًا من ذلك ما دامت القبيلة تفعله؛ لأن منشأ الاستنكار دقة النظر والقدرة على بحث المرض وأسبابه وعوارضه، وما يزيل هذه العوارض، وهذه درجة لا يصل إليها العقل في طوره الأول.
هذا الضعف في التعليل هو الذي يشرح لنا ما مُلئت به كتب الأدب من خرافات وأساطير كانت العرب تعتقدها في جاهليتها، فهم يحدثوننا أن سد مأرِب كان بين ثلاثة جبال تحصر ماء السيل والعيون، وليس للماء مخرج إلا من جهة واحدة، فسدَّ الأوائل تلك الجهة بالحجارة الصُّلبة والرصاص، فكانوا إذا أرادوا سقي زرعهم فتحوا من ذلك السدِّ بقدر حاجتهم بأبواب محكمة، وحركات مهندسة، فيسقون حسب حاجتهم ثم يسدونه إذا أرادوا؛ ثم يحدثوننا أن سبب خرابه جُرذان حُمْر كُنَّ يحفرن السد الذي يليها بأنيابها، فتقتلع الحجر الذي لا يستقله مئة رجل ثم تدفعه بمخاليب رجليها حتى تسدَّ الوادي من الناحية التي يجتمع فيها الماء، ويفتح من ناحية السد! وقد عجزوا عن أن يفهموا أن ليس هناك ارتباط صحيح بين هذه الجرذان الخرافية وخراب السد، وأن السبب الصحيح إهمال تعهد السد حتى لم يعُد يقوى على تحمل السيل.
وكالذي قالوا: إن الذي بنى الخَوَرْنَق النعمان بن امرئ القيس، بناه له رجل من الروم يقال له: سِنِمَّار، فلما أتمه قال له سنمار: إني أعلم موضع آجُرَّة لو زالت لسقط القصر كله، فقال النعمان: أيعرفها أحد غيرك؟ قال: لا، قال: لا جَرَم لأَدَعَنَّها وما يعرفها أحد؛ ثم أمر به فقُذف من أعلى القصر إلى أسفله فتَقَطَّع، فضُربت به المثل١، وقد صَدَّقوا بهذه الخرافة مع استحالة تركيز القصر كله على آجرة واحدة، ويطول بنا القول لو عددنا ما ذُكر في كتب الأدب والتاريخ من هذا القبيل مما يتعلق بأنظار العرب للحوادث، وبخاصة الحوادث التي تتعلق بالقبائل البائدة كعاد وطَسْم وجَدِيس، أو بالحوادث البعيدة التاريخ عن زمن الهجرة كجَذِيمَةَ والزَّبَّاء. ونستخلص من هذا كله أنهم لم يكونوا يحسنون تعليل الحوادث، ولا يربطون المسببات بأسبابها ربطًا محكمًا، ولم يكن هذا شأن العرب وحدهم، بل شاركهم فيه غيرهم من الأمم في طور مثل طورهم كاليونان، وأصبحت هذه الأشياء وغيرها موضوعًا لما يُسمى «علم المِيثولوجيا».
وهذا أيضًا يعلل لنا التجاءهم في تعرُّف الحوادث الماضية والمستقبلة إلى الكَهَانة والعِرافة وزجر الطير والعِيافة؛ وهي أمور ليست منطقية في تعرف العلة للمعلول والسبب للمسبب.
نعم كل أمة فيها مخرِّفوها مهما رقيت ومهما تفلسفت، ولكن كتب الأدب العربي تدلنا على أن هذه العقائد كانت عقائد الشعب عامة لا أفراد شواذ، وأن الكهانة وأمثالها تكاد تكون نظامًا مقررًا لكل قبيلة من قبائلهم.
قد نجد في بيت من الشعر الجاهلي أو في مثل من أمثالهم أو قصة من قصصهم فكرة راقية، وربطًا للأسباب بالمسببات، ولكن حتى هذه يعوزها العمق في التفكير، كما يعوزها الشرح والتعليل؛ جاء في سيرة ابن هشام: أن حيًّا من ثَقِيف فزعوا للرمي بالنجوم، فجاءوا إلى رجل منهم يقال له: عَمْرو بن أميَّة أحد بني عِلاج — وكان أدهى العرب وأمكرها رأيًّا — فقالوا له: يا عمرو، ألم تر ما حدث في السماء من القذف بهذه النجوم؟ قال: «بلى، فانظروا فإن كانت معالِمُ النجوم التي يهتدى بها في البر والبحر وتُعرَف بها الأنواء من الصيف والشتاء لما يصلح الناس في معايشهم هي التي يُرمى بها، فهو والله طَيُّ الدنيا وهلاك هذا الخلق الذي فيها؛ وإن كانت نجومًا غيرها وهي ثابتة على حالها، فهذا لأمر أراده الله بهذا الخلق، فما هو؟»
ألست ترى معي دقة نظر عمرو هذا في تفريقه بين نجوم يتوقف على بقائها نظام هذا العالم وأخرى ليست لها هذه القيمة وهي الشُّهُبُ؟ ولكن شيئًا من ذلك ليس الشرح الفلسفي للنجوم والشهب، ولا التعليل الواضح الجلي للارتباط بين السبب والمسبب.
لاحظ بعض المستشرقين أن طبيعة العقل العربي لا تنظر إلى الأشياء نظرة عامة شاملة، وليس في استطاعتها ذلك، وقبله لاحظ هذا المعنى بعض المؤلفين الأقدمين من المسلمين، فقد جاء في «المِلَل والنِّحَل» للشهرستاني عند الكلام على الحكماء: «الصنف الثاني حكماء العرب وهم شِرْذِمَة قليلة، وأكثر حكمتهم فَلَتات الطبع وخَطَر الفِكْر» وقال في موضع آخر: «إن العرب والهند يتقاربان على مذهب واحد … والمقاربة بين الأمتين مقصورة على اعتبار خواص الأشياء، والحكم بأحكام الماهيات، والغالب عليهم الفطرة والطبع، وإن الروم والعجم يتقاربان على مذهب واحد، حيث كانت المقاربة مقصورة على اعتبار كيفية الأشياء، والحكم بأحكام الطبائع، والغالب عليهم الاكتساب والجهد».

الحياة الفكرية قبل الإسلام

الديانات
في الوقت الذي سبق ظهور الإسلام كانت العرب قد تخلّت عن التعاليم التي جاء بها أنبياء الله تعالى مثل الديانة التي جاء بها إبراهيم عليه السلام، كما انتشرت لديهم عدّة ديانات؛ فقد عبد بعضهم الأوثان، بينما كان بعضهم يدين بالدِّين اليهودي أو الدين المسيحي، ومن الجدير ذكره أنّ الكعبة المشرفة كان حولها ثلاثمئة وستين صنماً، وكان لكلّ قبيلةٍ صنمٌ تعبده وتتقرّب إليه بالقرابين، كما كانت هناك مجموعةٌ من الأصنام المشهورة وقد ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم؛ مثل اللَّات، والعزى، ومناة، ولقد كان العرب يؤمنون بوجود إله واحد وهو الله، لكنّهم كانوا يعتقدون بأنّ الأصنام مساعدة له على الأرض وتنفّذ رغباته وأوامره المقدسة.
العلوم
على الرغم من عدم وجود أيّ مخطوطاتٍ تدلّ على انتشار العلوم في العصر الجاهليّ، إلا أنّ هناك مجموعة من الدلائل على اشتهار بعض العلوم مثل الفلك والذي أطلق عليه العرب اسم علم الأنوار؛ حيث إنّ العرب كانوا يستدلّون بالنجوم على الطرق البريّة والبحريّة، كما كانوا يعبدون بعض الكواكب التي تظهر في أوقاتٍ محددة مثل كوكب الزهرة، والذي مثلوه بصنمٍ أطلقوا عليه اسم العزى.
شاع في العصر الجاهلي علم الرياضيات؛ حيث كان الجاهليون يعملون بالتجارة، ومن الجدير ذكره أنّ عالم الرياضيات فيثاغورس زار شبه الجزيرة العربيّة ليتعلّم من حكمة أهلها، كما اشتُهر العرب قديماً بالطبّ ومن الأطباء المشهورين في ذلك الوقت ابن أبي رمثة التميمي، والحارث بن كلدة، والنضر بن الحارث، وضماد، والشفاء بنت عمرو، وابن حزيم، أما في علم البيطرة فقد اشتهر العاص بن وائل، وفي مجال الهندسة فقد برع العرب في إقامة السدود مثل سد مأرب، وفي إقامة القنوات المائية

مظاهر الحياة العقلية

سنتكلم كلمة عن كل مظهر من مظاهر الحياة العقلية، وهي اللغة والشعر والمثل والقصص، لا من حيث جماله الفني وأسلوبه البلاغي، فهذا لا علاقة له بموضوعنا، ولكن من حيث دلالته على العقل.
وقبل ذلك يجب أن نقف قليلًا لنبين رأينا في حجية هذه الأمور؛ ذلك لأن الشك قد يُطَوِّح بكل هذه المظاهر، أليس الشعر الجاهلي قد ظل غير مكتوب نحو قرنين، وظلت تتناقله الرواة شفاها، ونحن نعلم ما في هذا من تعرض للخطأ والتغيير، ثم أليس هناك دواعٍ تحمل رواة الشعر وغيرهم على الانتحال؛ من دينية وسياسية وجنسية، وقد بين النقاد الثقات أن كثيرًا من الشعر الجاهلي موضوع مختلق، فكيف يصح بعد أن يعتمد عليه في تعرف الحياة العقلية؛ وقل مثل ذلك في سائر المظاهر.
فنقول: إن أحدًا لم ينكر الشعر الجاهلي كله جملة، بل الباحثون فيه منهم مَن يُبالغ في الشك، ومنهم من يبالغ في اليقين، ومنهم من يقتصد، ومذهبنا نحن أن نسلك في الشعر الجاهلي مسلكنا في سائر ما يُروى من الحوادث التاريخية، وما يُروى من أحاديث، ففي هذه الأشياء نمتحنها من ناحيتين: من ناحية السَّنَد — أعني الرواة الذين رووا الحادثة أو الحديث — ومن ناحية المَتْن — أعني القول المنقول نفسه — فإذا كانت الناحيتان صحيحتين، وجب علينا أن نصدق ما قيل حتى يظهر وجه للنقد جديد، فلنفعل كذلك في الشعر، فإذا كان الراوي كاذبًا أو ليس بثقة لم نعتمد على ما روى، وكذلك إذا قام برهان على ضعف المتن: كأن يتشبب الشاعر بموضع ثبت تاريخيًّا أنه لم يذهب إليه، ولم يكن له به علاقة أو نحو ذلك؛ فإذا لم يكن شيء من هذين صح الاستدلال بالشعر المروي، فالثقات مثلًا ضعَّفوا ما يروي ابن إسحاق من الشعر، وطعنوا في حَمَّاد الراوية وخَلَفٍ الأحمر، فلندَع ما يرويه هؤلاء ما لم يشاركهم غيرهم من الثقات في روايته، ولكنهم وثَّقوا أبا عمرو بن العَلاء والأَصْمَعي وأمثالهما، فلنأخذ بما رووا ما لم يقم دليل من ضعف المتن على كذبه، ولعله يسلم لنا  بعد ذلك  جملة صالحة نستطيع أن نتبين منها الحياة العقلية.
على أن هناك وجهًا آخر للنظر، وهو أن الشعر المزيف يصح أن يكون مثلًا للحياة العقلية الجاهلية متى كان المزيِّفُ عالمًا بفنون الشعر خبيرًا بأسالبيه، فمثلًا يقول ابن سلام في خلف الأحمر: «أجمع أصحابنا أنه كان أفرس الناس ببيت شعر وأصدقه لسانًا»، ويعني بالفراسة في الشعر العلم به والبصر فيه، فإذا وضَعَ خلف قصيدة فقد كان يُلَبِّس فيها على الناس، وينحو نحو الجاهليين ويُقلدهم في مهارة وحذق، حتى ليصعب على الناقد أن يُفرِّق بين قوله وقول الجاهلي، فلا علينا بعدُ إذا استفدنا من علم خلف بأمور الجاهلية، أليس إذا حدثك خلف عن شئون الجاهلية  وهو الخبير بها  كان لقوله قيمة كبرى؟ فهو كذلك إذا وضع شعرًا يُمثل الحياة الجاهلية.
اللغة
تدل اللغة على الحياة العقلية من ناحية أن لغة كل أمة في كل عصر مظهر من مظاهر عقلها، فلم تخلق اللغة دفعة واحدة، ولم يأخذها الخلف عن السلف كاملة، إنما يَخْلق الناس في أول أمرهم ألفاظًا على قدر حاجتهم، فإذا ظهرت أشياء جديدة خلقوا لها ألفاظًا جديدة، وإذا اندثرت أشياء قد تندثر ألفاظها، وهكذا اللغة في حياة وموت مستمرين، وكذلك الاشتقاقات والتعبيرات فهي أيضًا تنمو وترتقي تبعًا لرقي الأمة، هذا ما ليس فيه مجال للشك، وإذا كان هذا أمكننا — إذا حصرنا معجم اللغة الذي تستعمله الأمة في عصر من العصور — أن نعرف الأشياء المادية التي كانت تعرفها والتي لا تعرفها، والكلمات المعنوية التي تعرفها والتي لا تعرفها، اللهم إلا إذا كانت المعاجم أثرية، كمعاجم اللغة العربية التي نستعملها نحن اليوم، فإنها لا تدل علينا؛ لأنها ليست معاجمنا، ولم تسر معنا ولم تُمثل عصرنا، ولذلك يخرج عليهم كُتَّابنا وشعراؤنا، وإنما كانت معاجم صحيحة للعصر العباسي أو نحوه؛ أما معاجم كل أمة حية الآن فهي دليل عليها، فإذا أمسكت معجمًا منذ مائة عام للأمة الفرنسية ولم تجد كلمة للتغراف والتليفون فمعنى ذلك أن الأمة لا تعرفهما، وإذا لم تجد كلمة تدل على معنى من المعاني دلك ذلك على أنهم لم ينتبهوا إلى هذا المعنى؛ وهكذا.
فنستطيع إذًا إذا حصرنا الكلمات العربية المستعملة في الجاهلية أن نعرف ماذا كانوا يعرفون عن الماديات، وماذا كانوا يجهلون، وماذا كانوا يعرفون من المعاني والعواطف والملكات النفسية، وماذا كانوا يجهلون، فإذا لم تجد — مثلًا — كلمة مَلَكة أو عاطفة أو شعور في اللغة الجاهلية دل ذلك على أنهم لم ينتبهوا إلى تلك المعاني، فلم يضعوا لها ألفاظًا، وهذا وأمثاله يحدد لنا مقدار رقيهم العقلي، ولكن مع الأسف لم يُوضع معجم كهذا، وهل نستطيع ذلك؟ إنه يقف في سبيلنا جملة عقبات.
(الأولى): أن أكثر الشعر والنثر الجاهليين قد ضاع، قال أبو عمرو بن العَلاء: «ما انتهى إليكم مما قالته العرب إلا أقَله، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علم وشعر كثير»، فمن أجل هذا نستطيع أن نثبت ولا نستطيع أن ننفي، نستطيع إذا صح عندنا بيت من الشعر الجاهلي أن نقول: إن ألفاظه ومعانيه تعرفها العرب، ولكن لا نستطيع إذا لم نجد أن نقول: إن العرب لا تعرف هذا اللفظ ولا هذا المعنى، وبذلك ينهدم جزء كبير من مظهر الحياة العقلية.
(الثانية): أن العرب في الجاهلية كانوا يعيشون قبائل، وهذه القبائل تختلف فيما بينها — كثرة وقلة — في اللغة وفي اللهجة، فقد تستعمل قبيلة كلمة ولا تستعملها القبيلة الأخرى، أو تستعمل غيرها، فقد روي «أن أبا هريرة لما قدم من دَوْسٍ عام خَيْبرَ لقي النبي ﷺ — وقد وقعت من يده السكين — فقال له: ناولني السكين، فالتفت أبو هريرة يَمْنَة ويَسْرة، ولم يفهم ما المراد باللفظ، فكرر به القول ثانية وثالثة، فقال: آلمدية تُريد؟ وأشار إليها فقيل له: نعم، فقال: أوتسمى عندكم السكين؟ ثم قال: والله لم أكن سمعتها إلا يومئذ»، وهذه اللغات بدأ توحيدها قبل الإسلام واستمر هذا العمل في الإسلام، فقد تكون قبيلة استعملت كلمة لم تستعملها الأخرى، أو استعملت غيرها، خصوصًا وأن بعض البيئات الطبيعية والاجتماعية لقبيلة قد تُخالف ما للقبيلة الأخرى؛ فقبيلة على الساحل وأخرى في جبل، وثالثة في سهل وهكذا، فإذًا لا يصح لنا إذا عثرنا على كلمة في شعر شاعر أن نستدل بها على الحياة العقلية للعرب أجمعين.
(الثالثة): أن كثيرًا من الألفاظ العربية خُلق في العصر الإسلامي، قال ابن جنِّي في الخصائص: «إن العربي إذا قويت فصاحته، وسمت طبيعته، تصرف وارتجل ما لم يُسبَق إليه، فقد حُكي عن رؤبة وأبية أنهما كانا يرتجلان ألفاظًا لم يسمعاها ولا سُبقا إليها»، وهناك ألفاظ تغيرت معانيها في الإسلام كأن يكون المعنى عامًّا في الجاهلية وخُصص في الإسلام، كالصلاة والزكاة والحج والبيع والمزارَعة ونحو ذلك، بل إن اللفظ الواحد قد يتغير مدلوله في عقل السامع بانتقاله من طور إلى طور في الحضارة، فلفظ الكرسي والمائدة والخوان والمطبخ والكانون والملهى له مدلول في ذهن البدوي غير مدلوله في ذهن الحضري؛ فالكرسي في ذهن البدوي أبسط شكل يطلق عليه اسم كرسي، وفي ذهن الحضري أشكال مختلفة من الكراسي لم يكن يتخيلها البدوي، إن شئت فانظر إلى ما نفهمه نحن الآن من مؤتمر وصحافة وجريدة ومطبعة وما كان يفهمه البدوي في الجاهلية من هذه الألفاظ، بل وما يفهمه العربي في العصر العباسي منها.


Advertising اعلانات

772 Views