ما حكم الحلف بالله ثم التراجع

سنتعرف في هذه المقالة على ما حكم الحلف بالله ثم التراجع وماهي كفارة الحلف بالله كل ذلك من خلال السطور التالية.

 ما حكم حلف اليمين كذب؟
الجواب :
اليمين الكاذب يغمس صاحبه في النار، فيجب عليك التوبة والاستغفار والكفارة: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فإن لم يجد الإطعام أو الكسوة فصيام ثلاثة أيام. والله أعلم.
كفارة اليمين
   – يُكثر النَّاس من اليمين بالله تعالى في كثير من أقوالهم وتصرفاتِهم من باب تأكيد صدْقهم على أفعالهم ونياتهم وهذا أمر جُبل عليه النّاس حتى يتقوى عزمهم باليمين بالله عز وجل.
   – قد يضطر بعضهم إلى التراجع عن تلك الأفعال والأقْوال التي أقسموا عليها الأيمان المغلّظة مِما يترتب على فعلهم هذا كفارة لتلك اليمين التي أقسموا بالله تعالى عليها.
معنى كفارة اليمين
الكفارة واليمين لفظان كغيرهما من الألفاظ في اللغة ولهما معنيان في اللغة وفي الإصطلاح وهما:
الكفارة لغةً
   – مشتقة من كَفَّرَ بمعنى غطى وستر والكُفْرُ ضد الإيمان والكفر أيضاً جحود النعمة وهو ضد الشكر.
  –  والكفر بالفتح التغطية وقد كَفَرْتُ الشيء أَكْفِرُهُ بالكسر كفراً أي سترته والكافِرُ الليل المظلمُ لأنه سَتَر كل شيء بظلمته والكافِرُ الزارع لأنه يغطى البذر بالتراب والكَفَّارة ما كُفِّرَ به من صدقة أو صوم أو نحو ذلك قال بعضهم كأنه غُطِّى عليه بالكفَّارة وتكفير اليمين فعل ما يجب بالحنث فيها والأسم الكفارة.
    – سُميت الكفَّاراتُ كفاراتٍ لأنها تكَفِّرُ الذنوب أي تسترها، مثل كفارة الأيمان، وكفارة الظهار، والقتل الخطأ وقد بينها الله تعالى في كتابه وأمر بها عباده ومن المعاني السابقة نستنتج أن الكفارة في اللغة تدل على أمرين أحدهما تغطية المعصية وسترها ومحو أثرها والثاني ما يؤديه المكفِّر مما أوجبه الله عليه من العتق أو الصيام أو الإطعام.
الكفارة إصطلاحاً
   – ما أوجب الشرع فعله بسبب حنث في يمين أو إظهار أو إيلاء أو حلق من أذى أو غيره أو تمحيصاً وتطهيراً من ذنب كالقتل وقيل هي عتق أو صيام أو إطعام يلزم من فعل ما يستوجبها أو أتى ما يستوجبها وهي تعريفات متقاربة.
   – وأما كفارة القتل فهي عتق أو صيام يلزم من تسبب في قتل معصوم.
اليمين لغةً
   – اليمين جمعها أيمان وتجمع على أيمن واليمين في أصل اللغة اليد اليمنى وأطلقت على الحلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه وقيل لأن اليمين تحفظ الشيء كما تحفظه اليد واليمين والحلف والإيلاء والقسم ألفاظ مترادفة.
اليمين إصطلاحاً
عَرف الفقهاء اليمين بتعريفات متقاربة منها:
   – تحقيق الأمر وتوكيده بذكر إسم الله تعالى أو صفة من صفاته  وهذا تعريف الشافعية .
   – توكيد المحلوف عليه بذكر معظم على وجه الخصوص  وهذا تعريف الحنابلة.
   – عقد قوي به عزم الحالف على الفعل أو الترك  وهذا تعريف الحنفية.
   – اليمين عبارة عن ربط العقد بالإمتناع والترك أو بالإقدام على فعل بمعنى معظم حقيقة أو إعتقاداً لكن يختص إيجاب الكفارة بإسم الله سبحانه أو بصفة من صفاته  وهذا تعريف المالكية.
كفّارة الحَلْف بالله
تنقسم الأيمان إلى عدّة أنواع؛ هي: اليمين المنعقدة، واليمين الغموس، واليمين اللّغو، وبيانها وبيان كفّاراتها فيما يأتي:
اليمين المنعقدة
وهي اليمين التي نوى بها صاحبها عمل أو عدم عمل شيءٍ ما،وورد ذكر كفّارة الحنث بها في القرآن الكريم؛ حيث قال الله تعالى: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، فكفّارة الجنث باليمين المنعقدة بالتخيير بين ثلاثة أنواع من الكفّارات؛ وهي:
  –  إطعام عشرة مساكين ممّا اعتاد الحانث باليمين أن يأكل منه ويُطعم منه أهله، ومقداره كما قدّره العلماء ما يقارب 750 غراماً من الأرز، والأفضل إخراج نصف صاع من الطعام؛ أي ما يقارب كيلو ونصف، ويجوز صُنع الطعام ودعوة عشرة مساكين إليه.
   – كِسوة عشرة مساكين.
   – عتق رقبة مؤمنة.
  –  صيام ثلاثة أيّام لِمن لم يجد أو لم يستطع إخراج الطعام والكساء والعتق.
اليمين الغموس
وهي أن يحلف الإنسان بأمرٍ من الأمور كذباً، وسمّيت بالغموس لأنّها تغمس صاحبها في الإثم أو في النّار، حيث قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (الكبائرُ: الإشراكُ باللهِ، وعقوقُ الوالديْنِ، أو قال: اليمينُ الغَموسُ)، وذكر العلماء أنّ اليمين الغموس ليس لها كفّارة؛ لعظَمِها، وإنّما يلزم من المسلم التوبة إلى الله تعالى، باستثناء الشافعيّة الذين قالوا بأنّ لها كفّارة.
يمين اللغو
يدلّ يمين اللغو على معنيين؛ أوّلهما: أن يحلف المسّلم باسم من أسماء الله -تعالى- على أمرٍ من الأمور لغواً دون التأكّد من الأمر، وجاء عن عائشة رضي الله عنها: (أُنزِلَتْ هذه الآية: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ، في قولِ الرجلِ: لا واللهِ، وبَلَى واللهِ)، وثانيها: أن يحلف المسّلم على أمرٍ يظنّه صواباً، أو يظنّه حصل فعلاً، ثمّ يتبين أنّه كان على خطأ، واختلف العلماء في كفّارة يمين اللغو؛ فمنهم من قال بعدم الكفّارة للأمر الذي ظنّه صواباً ثمّ ظهر أنّه غير ذلك، ومنهم من قال إنّ من حلف ثمّ ظهر له غير ما يخالف الأمر الذي حلف عليه فهو غير مُؤاخذ؛ لأنّه لم يكن يعلم، وتفسير الآية الكريمة: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ)، أنّ الله -تعالى- لا يُحاسب العباد على الأيمان التي تخرج لغواً، وإنّما يُحاسبهم على الأيمان المنّعقدة
حكم كفارة اليمين
   – تُعتبر كفّارة اليمين  واجبة في حقّ من حنث في يمينه ودليل  على ذلك قول الله تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ) أمّا عن السّنة النبويّة فقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (يا عبدَ الرحمنِ بنَ سمرةَ لا تسألِ الإمارةَ فإنك إن أُوتِيتَها عن مسألةٍ وُكِلْتَ إليها وإن أُوتِيتَها من غيرِ مسألةٍ أُعِنْتَ عليها وإذا حلفتَ على يمينٍ فرأيتَ غيرَها خيراً منها فكفِّرْ عن يمينِكَ وأْتِ الذي هوَ خيرٌ).
   – وقد أجمع العلماء على أنّ مَن حلف بإسمٍ من أسماء الله تعالى ثمّ حنث في يمينه تجب عليه الكفّارة وتسقط الكفّارة عن المرء إذا عجز عن أدائها ودليل علي  ذلك ما رواه عبد الله بن عباس رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (قالَ لمَّا نزلت هذِهِ الآيةُ  وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ قال دخلَ قلوبَهُم منها شيءٌ لم يدخل قلوبَهُم من شيءٍ فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قولوا سمعنا وأطعنا وسلَّمنا قالَ فألقى اللَّهُ الإيمانَ في قلوبِهِم فأنزلَ اللَّهُ تعالى لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا قالَ قَد فعلتُ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا قالَ قد فَعلتُ وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا قالَ قد فَعلتُ).
شروط وجوب كفارة اليمين
لا تجب الكفارة في اليمين إذا نقضها الحالف ولم يف بموجبها إلا بشروط ثلاثة وهي ما يلي.
الشرط الأول
   –  أن تكون اليمين منعقدة بأن يقصد الحالف عقدها على أمر مستقبل كما مضى بيان ذلك ولا تنعقد اليمين إلا بالله أو بإسم من أسمائه أو صفة من صفاته لقوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} [المائدة89]  فدل ذلك على أن الكفارة لا تجب إلا في اليمين المنعقدة أما من سبق اليمين على لسانه بلا قصد فلا تنعقد يمينه ولا كفارة عليه.
الشرط الثاني
  –  أن يحلف مختاراً فمن حلف مكرهاً لم تنعقد يمينه ولا كفارة عليه فيها لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».
الشرط الثالث
  –  أن يحنث في يمينه بأن يفعل ما حلف على تركه أو يترك ما حلف على فعله ذاكراً ليمينه مختاراً أما إذا حنث في يمينه ناسياً أو مكرهاً فلا كفارة عليه.
أحكام كفّارة اليمين
هناك عدّة أحكام تتعلّق بكفّارة اليمين؛ وبيان بعضها فيما يأتي:
   – يدفع الحانث باليمين كفّارة حنثه باليمين لعشرة من المساكين؛ لأنّ القرآن الكريم حدّد العدد بعشرة، وإن اجتهد الحانث في البحث عن المساكين ولم يجد إلّا شخصاً واحداً فعليه أن يدفع الكفّارة له مدّة عشرة أيّام.
   – جوّز الحنفيّة والأوزاعيّ للحانث أن يُخرج قيمة الطعام مالاً، لكنّ جمهور العلماء حدّدوا الكفّارة بإطعام الطعام دون تحديد له؛ دلالةً على إخراج الكفّارة بما أعتاده أهل البلد.
   – ذهب الإمام مالك والإمام الشافعيّ والإمام أحمد في قولٍ لهما إلى جواز تفريق أيّام الصّيام لمن أراد أنّ يكفّر عن يمينه بالصّيام، بينما اشترط الإمام أبو حنيفة وغيره التتابع في الصّيام.
   – يجوز إخراج كفّارة اليمين على التّراخي
كيفية كفارة اليمين
    كفارة اليمين بينها الله تعالى بقوله: ( لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) المائدة / 89 .
فيخير الإنسان بين ثلاثة أمور كما يلي:
   – إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعم أهله  فيعطي كل مسكين نصف صاع من غالب طعام البلد  كالأرز نحو  مقداره كيلو ونصف تقريباً وإذا كان يعتاد أكل الأرز مثلاً ومعه إدام وهو ما يسمى في كثير من البلدان ( الطبيخ ) فينبغي أن يعطيهم مع الأرز إداماً أو لحماً  ولو جمع عشرة مساكين وغداهم أو عشاهم كفى .
    – كسوة عشرة مساكين  فيكسو كل مسكين كسوة تصلح لصلاته  فللرجل قميص (ثوب) أو إزار ورداء  وللمرأة ثوب سابغ وخمار .
    تحرير رقبة مؤمنة .
   – فمن لم يجد شيئا من ذلك صام ثلاثة أيام متتابعة .
   – قال جمهور العلماء على أنه لا يجزئ إخراج الكفارة نقوداً .
   – قال أبن قدامة رحمه الله: ” لا يُجْزِئُ في الكفارة إِخراج قيمة الطعام ولا الكسوة  لأن الله ذكر الطعام فلا يحصل التكفير بغيره  ولأن الله خَيَّرَ بين الثلاثة أشياء ولو جاز دفع القيمة لم يكن التَخْيِير منحصراً في هذه الثلاث”.
   – وقال الشيخ أبن باز رحمه الله: ( على أن تكون الكفارة طعاماً لا نقوداً لأن ذلك هو الذي جاء به القرآن الكريم والسنة المطهرة والواجب في ذلك نصف صاع من قوت البلد  من تمر أو لبن أو غيرهما  ومقداره كيلو ونصف تقريباً  وإن غديتهم أو عشيتهم أو كسوتهم كسوة تجزئهم في الصلاة كفى ذلك  وهي قميص أو إزار ورداء ).
    وقال الشيخ أبن عثيمين فإن لم يجد الإنسان لا رقبة ولا كسوة ولا طعاماً فإنه يصوم ثلاثة أيام  وتكون متتابعة لا يفطر بينهما.