حكم قراءة القرآن بدون وضوء

الوضوء في اللغة مشتق من الوضاءة أي الحسن والبهاء، وفي الشرع الإسلامي هو:طهارة مائية تخص أعضاء معينة على صفة مخصوصة بنية التعبد، الأفعال المخصوصة هي: النية، وإيصال الماء إلى أعضاء مخصوصة. وأركانه: (النية عند غسل الوجه، وغسل الوجه، ثم غسل اليدين إلى المرفقين، ثم مسح الرأس أو جزء منه ثم غسل الرجلين)، وهذه الأركان بمعنى: الأسس التي لا يصح الوضوء إلا بها، وهناك أفعال أخرى مشروعة للوضوء، منها ما هو فرض عند بعض العلماء كالترتيب، أو الترتيب والموالاة عند البعض، ومنها ما هو واجب عند البعض، كما أن للوضوء شروط وسنن وأحكام أخرى محلها كتب الفقه.
والوضوء عند علماء الفقه هو أول مقصد للطهارة؛ لأنه مطلوب أساسي للصلاة، وهو من أهم شروط الصلاة وفي الصحيحين “لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ”.
الوضوء في القرآن
ورد في سورة المائدة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(6)﴾
هل يجوز قراءة القرآن الكريم والإنسان على غير وضوء؟
لا حرج أن يقرأ القرآن وهو على غير وضوء، فقراءة القرآن من الذكر، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه)، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله كثيراً في جميع أوقاته، يسبح الله، ويحمد الله، ويذكره كثيراً في كل وقت عليه الصلاة والسلام، والقرآن من الذكر فإذا قرأ القرآن وهو على غير وضوء -يعني عن ظهر قلب- فلا بأس بذلك.
فإذا قرأ وهو على حديث أصغر ليس أكبر فلا بأس عليه، لكن ليس من المصحف بل عن ظهر قلب، أما من المصحف فلا يقرأ من المصحف إلا بطهارة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام -كما في الأحاديث- نهى أن يمس القرآن إلا طاهر، وهو حديث جيد لا بأس به، له طرق عند ابن حزم فقال: ((لا يمس القرآن إلا طاهر)).
ولأن الصحابة رضي الله عنهم أفتوا بأنه لا يمس القرآن إلا طاهر، يعني لا يقرأ في المصحف إلا طاهر، ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه، وعن الصحابة أنهم كانوا يفتون بأن لا يقرأ القرآن إلا طاهر، يعني لا يمس المصحف إلا طاهر، وهكذا قال الأئمة الأربعة والجمهور، أنه لا يجوز للمحدث أن يمس المصحف، أما كونه يقرأ عن ظهر قلب فلا بأس.
فكونه يقرأ حفظاً لا بأس أن يقرأ القرآن، هذا كله إذا كان حدثاً أصغر، أما إذا كان جنباً فلا، فالجنب لا يقرأ القرآن لا من المصحف ولا عن ظهر قلب؛ لأنه ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يمتنع من القرآن إلا من جنابة، فإذا كان عليه جنابة لا يقرأ القرآن عليه الصلاة والسلام، وفي رواية عنه عن علي أنه قال: ((أما الجنب فلا ولا آية)).
هذا يدل على أن الجنب لا يقرأ القرآن لا من المصحف ولا عن ظهر قلب، وهكذا الحائض عند بعض أهل العلم والنفساء؛ لأن حدثهما أكبر، وقال آخرون من أهل العلم: إن الحائض والنفساء ليستا من جنس الجنب؛ لأن حدثهما يطول ومدتها تطول وليس الأمر بأيديهما، فإنهما ينتظران انقطاع الدم وحصول الطهارة فيغتسلان بعد ذلك.
أما الجنب فالأمر بيده متى انتهى من حاجته من أهله أمكنه الغسل في الحال، أو التيمم إذا عجز عن الغسل وأمكنه أن يقرأ بعد الغسل، فهو متيسر له الغسل أو التيمم عند العجز عن الغسل، بخلاف الحائض والنفساء فإنهما لا يتيسر لهما ذلك، إلا بعد انتهاء الدم وانقطاع الدم وحصول الطهارة، فعذرهما أشد، ولهذا ذهب جماعة من أهل العلم أنه يجوز لهما القراءة عن ظهر قلب بغير مس المصحف، وهو قول جيد ولا سيما عند الحاجة كالمعلمة والطالبة إذا احتاجت إلى ذلك، فإنه لا حرج عليهما في قراءة القرآن عند الحاجة ولا بأس إن شاء الله لعدم الدليل.
أما الحديث: ((لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن))، فهو حديث ضعيف عند أهل العلم.
فضل قراءة القرآن الكريم
حرص الدين الإسلامي على تشجيع المسلمين لقراءة القرآن الكريم، وذلك لأسباب عديدة ينالها العبد، ومن أهمّ هذه الأمور ما يأتي:
-تنزل السكينة على المسلم عند قراءة القرآن، وتحفّه بالملائكة، وإذا تدارسه مجموعة من المسلمين معاً يكون الأجر مضاعفاً، وذلك استناداً إلى الحديث الشريف عن الرّسول عليه السّلام: (ما اجتمَعَ قومٌ في بيتٍ من بيوتِ اللَّهِ يتلونَ كتابَ اللَّهِ ويتدارسونَهُ فيما بينَهم، إلَّا نزلَت عليهِم السَّكينةُ، وغشِيَتهُمُ الرَّحمةُ، وحفَّتهُمُ الملائكَةُ، وذكرَهُمُ اللَّهُ فيمَن عندَهُ)،وقد حثّ الرّسول عليه السّلام صحابته في المداومة على قراء القرآن الكريم لفضله الكبير، وهو كما ورد في الحديث الثّابت عنه عليه السّلام: (قال النبي صلى الله عليه وسلم لأُبَيّ: إن اللهَ أمرني أن أقرأَ عليكَ القرآنَ. قال أُبيّ: آلله سمّانِي لكَ؟ قال: الله سمّاكَ لِي. فجعل أُبَيّ يبكِي. قال قتادة: فأُنبئتُ أنه قرأَ عليه: لَمْ يَكُنِ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ).
-لقارئ القرآن الكريم حسنات مضاعفة، فيحصد المسلم الكثير من الخير بالقراءة وحدها، وهو أمر ورد في الحديث الشريف عن الرّسول عليه السّلام: (من قرأ حرفًا من كتابِ اللهِ فله به حسنةٌ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها، لا أقول ألم حرفٌ، ولكن ألفٌ حرفٌ، ولامٌ حَرفٌ، وميمٌ حَرفٌ).
-قارئ القرآن الكريم يرتقي لمرتبة يكون فيها من أهل الله تعالى، فقد قال الرّسول عليه السّلام في الحديث الشريف: (إنَّ للَّهِ أَهْلينَ منَ النَّاسِ. قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، من هُم؟ قالَ: هم أَهْلُ القرآنِ، أَهْلُ اللَّهِ وخاصَّتُهُ).
-القرآن الكريم يشفع لقارئه يوم القيامة، كما أنّ لبعض السّور فيه خاصّية مميّزة وفضل يعود على المسلم، فقد ثبت الأمر هذا في الحديث الشريف عن الرّسول عليه السّلام حين قال: (اقْرَؤوا القرآنَ، فإنه يأتي يومَ القيامةِ شفيعًا لأصحابه. اقرَؤوا الزَّهرَاوَين: البقرةَ وسورةَ آلِ عمرانَ، فإنهما تأتِيان يومَ القيامةِ كأنهما غَمامتانِ، أو كأنهما غَيايتانِ، أو كأنهما فِرْقانِ من طيرٍ صوافَّ، تُحاجّان عن أصحابهما. اقرَؤوا سورةَ البقرةِ، فإنَّ أَخْذَها بركةٌ، وتركَها حسرةٌ، ولا يستطيعُها البَطَلَةُ. قال معاويةُ: بلغني أنَّ البطلَةَ السحرةُ. وفي رواية: مثله. غير أنه قال: وكأنهما في كلَيهما، ولم يذكر قول معاويةَ: بلغني).
-قراءة القرآن الكريم طريق لينال المسلم فيها الدرجات العليا في الجنة، قال الرّسول عليه السّلام في الحديث الشريف: (يُقالُ لصاحبِ القُرآنِ يومَ القيامةِ: اقرَأْ، [وارْقَ]، ورتِّلْ كما كُنْتَ تُرتِّلُ في دارِ الدُّنيا، فإنَّ منزلتَك عندَ آخِرِ آيةٍ كُنْتَ تقرَؤُها).