حكايات عالمية

كتابة منيره القيسي - تاريخ الكتابة: 17 مارس, 2019 6:42 - آخر تحديث : 14 ديسمبر, 2021 12:39
حكايات عالمية


Advertising اعلانات

حكايات عالمية سنقدم لكم اجمل الحكايات العالمية التى تحمل بين طياتها الكثير من المعانى الرائعة والحكمة والفكاهه ايضا من خلال هذه السطور التالية.

قصة القاضى الذكى


فى زمن بعيد كان هناك قرية هادئة جميلة يعيش اهلها الطيبين فى سلام و امان و محبة ولكن كان من بين اهل القرية الطيبة تاجر جشع عرف بطمعة و سعية وراء المال بكل الطرق الشرعية و غيرها و فى يوم من الايام جاء مزراعا كان فى اشد الحاجة الى بئر ماء لسقايتة ارضة و محاصيلة فذهب الى التاجر وعرض علية شراء بئر ماء مقابل مبلغ من المال فوافق التاجر و بالفعل تمت البيعة .. و حين جاء المزارع ليروى ارضة من البئر اسرع الية التاجر معترضا و قال له لقد بعتك البئر فارغة دون الماء الذى بداخلها و اذا اردت ان تروى من ماء البئر فعليك دفع ثمن الماء !
غضب المزارع الطيب غضبا شديدا و رفض دفع الثمن مرة اخرى و اتجة مباشرة الى قاضى المدينة يشتكى الية حال التاجر .. فكر القاضى العادل و خطرت على بالة فكرة طريقة فاستدعى التاجر ليستمع الى الطرفين فقص علية كل منهما قصتة مرة اخرى .. قال القاضى للتاجر بابتسامة خبيئة : اذا لقد بعت البئر للمزارع بدون مائها فعليك اخراج الماء فورا منها لانه لا يحق لك الاحتفاظ بمائك فيها او عليك دفع ايجارا للمزارع مقابل احتفاظك بمائك فى بئرة .. عرف التاجر الجشع ان خطتة قد فشلت فترك المحكمة و خرج مهزوما . و فار المزارع الطيب على التاجر بسبب حكمة القاضى و فطنتة و حكمة العادل .
الدروس المستفادة من القصة :-
التعامل مع المواقف بحكمة و ذكاء .
الابتعاد عن الجشع و النظر الى ما فى يد الغير .
القضاء العادل و اللجوء الية هو الحل الوحيد للحل الجذرى فى المنازعات و الخصام و العيش فى سلام و امان .
الامانة و الصدق ينتصرون دائما فى النهاية .

قصة الحطاب الصغير


امتدت اشعة الشمس علي الغابة الكبيرة وكأنها اشتاقت الي ارضها السمراء التي حالت جذوع الاشجار الضخمة المتشابكة دون وصولها إليها، ويدخل الغابة ” عمر ” طفل صغير يحمل معه فأساً وحبلاً وما إلي ذلك من الأدوات التي يستعملها الحطاب. إن الغابة تعرفه جيدا فطالما دب على أرضها لاهيا بينما يقطع والده الأشجار ليحولها إلى أخشاب متناسقة يبيعها لأهل قريته الصغيرة ويقف عمر حائرا بعد أن تجول في الغابة بعض الوقت وهو يقول يا إلهي إن أشجار الغابة ضخمة جدا، ولم أقدر حتى الآن من انتزاع ولو فرع من فروعها كم كان والدي قوي، فقد كان يستطيع أن يقطع الأشجار ويحولها إلى أخشاب يشتريها أهل القرية وننتفع نحن بثمنها ولكنه مريض منذ أسابيع ولم يعد في البيت لقمة خبز واحدة، كنت أتمنى مساعدة أمي في قطع بعض الأخشاب وبيعها، فأحضر لها نقودا کي تشتري لي ولأخوتي طعاما، وتشتري لأبي الدواء الذي يساعده على الشفاء سريعا ولكن يبدو أن هذا ليس بالأمر اليسير…)
ويحاول عمر مرة أخرى ويتجول ويتجول داخل الغابة على أمل أن يجد ولو فروع صغيرة تساقطت من الاشجار ليأخذها ربما يكون ثمنها زهيداً ولكنه ينفعهم في أزمتهم .. وفي اثناء تجوله يلمح غزالاً صغيراً يجلس علي الارض لا يستطيع النهوض وكلما حاول الوقوف والسير وقع ثانية علي الارض، ذلك لأن ساقه فيها جرح لا يمكنه من السير .
ويفرح عمر لرؤية الغزال ويقول في نفسه (إنها فرصة عظيمة قد ساقها الله لي، سآخذ هذا الغزال الصغير وأداوي جرحه ثم أبيعه لأحد أثرياء القرية، نعم… لا شك أنه سيبذل لي في ثمنه الكثير، (فمنظره جميل ولطيف) ويسرع عمر إلى الغزال يطهرله الجرح ويربطه بالضمادات لقد علمه والده أنه لابد من حمل مثل هذه الإسعافات البسيطة المداواة أي جرح أو حادث قد يحدث له في أثناء عمله الشاق.
وها هوالغزال الصغير يقف ويستطيع السير بشيء من الصعوبة ويربطه عمر بحبل في رقبته ويبدأ في سحبه برفق ليرجع به إلى القرية، ولكنه لاحظ أن الغزال يخطو بعض الخطوات ثم يقف ويلتفت إلى الخلف ويتكرر منه هذا الفعل فالتفت عمرليرى ما الأمر، فإذا بغزالة كبيرة كانت تسير خلفهم ثم وقفت تنظر إليهم وهي تخشى الاقتراب، وفهم عمر الأمر وقال (لابد أن هذه الغزالة أم الغزال الصغير وقد شرد منها ثم جرح فلم يستطع العودة إليها وكانت تبحث عنه ولكني سبقتها إليه)
نظر عمر إلى الغزال الصغيرفرق له قلبه، وقد بدأ يفحص برجله في الأرض ويحمحم بصوت ضعيف وكأنه يناديها، وتذكر عمر والده المريض وأمه وأخوته الذين هم في أشد الحاجة لثمن هذا الغزال، وهم أن يأخذه وينصرف، | ولكنه لم يستطع فقد رفق بحال هذا الصغير وأمه، فانتزع الحبل من رقبته وأطلقه فأسرع الغزال إلى أمه ووقف بجوارها فأخذت تمسح برأسها على جسده، ثم أخذته وانصرفت، وانصرف عمر أيضا عائدا إلى بيته، ولكنه سار وساروجد في المسير دون أن يخرج من الغابة .. ذاك أنه ضل الطريق ووقف حزيناً حائراً يقول : ماذا افعل طرقات الغابة جميعها متشابهة لا اعرف من اي طريق قدمت ولا من اي طريق اعود، لقد اخطأت كان يجب أن اطيع امي عندما نصحتني عندما الذهاب الي الغابة وحدي، لقد فعلت كما فعل الغزال الصغير تماماً  ولكنه وجد من ينقذه أما أنا فمن ينقذني الآن؟ لقد أوشك النهار أن ينقضي وبعد قليل سيحل علي الظلام وأنا هنا وحدي فماذا أفعل ؟..
وجلس عمر يبكي وهو يقول سامحيني يا أماه وليسامحني الله فهو يعلم أني كنت أود مساعدتك ولم أقصد عصيانك، ولكنه ينتفض واقفا عندما يسمع صوت غريبة يقترب منه، إنه دبيب حيوان قادم، ويسرع عمر بحمل فأسه الصغير كي يدافع عن نفسه ولكنه يعيده إلى الأرض مره أخرى لأنه أكتشف أنها الغزالة الأم، لابد وأنها قد وضعت صغيرها في مكان آمن ورجعت التطمئن على عمر لقد فهمت أنه ضل الطريق وها هي تقف امامه تشير إليه برأسها كي يتبعها وبالفعل يحمل عمر ادواته ويسير خلفها وتستطيع الغزالة الأم ان توصله الي خارج الغابة وها هي قريته الصغيرة تلوح في الافق من بعيد .
ويلتفت عمر ليشكر الغزالة الطيبة التي حفظت له جميله وصنعه الطيب مع صغيرها ولكنها لم تنتظر فقد انطلقت كالسهم عائدة إلى صغيرها،  ويواصل عمر السير عائدا إلى قريته وعلى مشارف القرية يجد أمه مع جماعة من جيرانها قد خرجن للبحث عنه بعد أن اكتشفت تغيبه الطويل عن البيت.
ويعتذر عمر لأمه لخروجه من دون إذنها لأنه كان يريد مساعدتها في الإنفاق على البيت ريثما يتماثل والده للشفاء تبسمت الأم قائلة، لا عليك يا صغيري لقد سامحتك على ألا تعود لمثلها. ولتعلم أن الله لا ينسى عبده أبدا، لقد جمع لنا جيراننا بعض المال يكفينا حتى شفاء والدك إن شاء الله فجزاهم الله عنا كل خير، ويبتسم عمر ويعود مع والدته ليحكي لها عما حدث له داخل الغابة… إنه يوم لن ينساه أبدا.

 قصة عشاء اثنين


بعد عشر سنوات قضاها مورنيمر بليك في مركز عمدة البلد المحترم؛ إذا به يشعر الآن أنه قد ضاق ذرعًا بهذا العمل الذي يسير على نمط واحد، كان راجعًا إلى منزله بعد مناقشة طويلة مع القسيس حول الطريقة المثلى لتوزيع صدقات عيد الميلاد على الفقراء، وخطر بفكره فجأة أن الغضب قد أخرجه عن جادة الصواب، وأنه أصبح فظًّا لا يحتمل أكثر من ذلك.
وهنا خطر بباله اسم باريز السحري، وكأن شفتيه قد نادتها! لم يفكر في باريز منذ عشر سنوات عندما نفض عن نفسه غبار ذكرياتها القاتمة، بعد أن هاجر من مونمارتر.
ولكن الآن وقد أخذت الذكريات تسرع في العودة إليه وكأنها شبح هائل قد استيقظ من نومه، وبدأ يسر إليه بكل الأفكار الجنونية، طرق النزهة المضاءة ليلًا بأنوار الكهرباء، وصوت الموسيقى وهي تعزف في المطاعم، والشراب المريء، والتنزُّه داخل العربة في غابة بولونيا عندما يُطِلُّ القمر من سمائه والنجوم من عليائها، وإلى جانب المرء امرأة يلذ له أن يشمَّ رائحة مساحيقها وسوائلها المبردة، امرأة! إيهٍ لقد كُنَّ كثيرات، غير أن وجهًا واحدًا هو الذي عاد إلى ذاكرته وهو مرتكز إلى الحائط يحدق في شجرة أمامه.
وجه جميل، تضيئه الحياة كما يسطع النور من خلال المصباح الياباني الورقي الملون، بفم صغير وشعر لامع حالك السواد.
وقد ظنَّ أنه نسي اسمها، ولكن عندما حدَّق بقلبه في شكلها تحرَّك اسمها من قبور النسيان وعاد إلى الحياة ثانية.
وقد ناداه بصوت عالٍ، حملت رياح ديسمبر الباردة صداه ورددته مصحوبًا بأنَّة سخرية: مرجوت.
وفي اليوم الثاني وجد نفسه في باريز، وكان ذلك في مساء ليلة عيد الميلاد، وعندما درجت به السيارة من محطة الشمال وجد الحال كما كان، كانت هناك سلسلة طويلة من الأنوار الذهبية المتلألئة، والضحكات تتعالى، والبشر يعلو الوجوه، وكانت الموائد في خارج المطاعم ممتلئة كلها بالفرنسيين الملتحين السعداء، وبينهم المرأة منتثرة هنا وهناك كالزهرة، وكانت الإعلانات الكهربائية تظهر في أعلى المباني بألوانها المختلفة، وفوق كل ذلك كانت هناك رائحة باريس السحرية، تلك الرائحة التي لا يمكن تعريفها أو إدراك كنهها، وقد ملك عليه ذلك حواسه؛ فانصرمت عنه السنوات العشر التي قضاها بعيدًا وحيدًا، وكأنها لم تكن، وقد كاد يرقص طربًا وهو في السيارة تدرج به من ناحية الإليسيه حيث يوجد الفندق.
وفي المنتزه الواسع، الذي كان ممتلئًا بالنساء، وكأنهن طيور من الجنة، وكنت تسمع فيه حديث طائفة من النمسويين، وجد أنه ليس بين وسط باريس! فهذه ليست باريس التي عرفها، باريس التي كان يمكن للإنسان فيها أن يحب ويعيش كالملوك ببضع سنتيمات.
ولكن بعد أن استحمَّ وانتعش جسمه، ظهرت له كأنها امرأة فاتنة يرغب فيها، وكأنها طوقت عنقه بذراعيها، فخرج ثانية إلى الليل، الليل وهو في باريز أكثر إشراقًا من النهار، ونادى عربة سارت به إلى «الرستوران بلان» بشارع بيجال؛ فقد حدث له أنه هناك، وقد انتقى هذا المطعم من بين كل المطاعم التي كان يتناول فيها طعامه في وقت ما أو بين آونة وأخرى. كان معتادًا أن يتناول طعام العشاء في ليلة عيد الميلاد، حقًّا إن هذا المطعم لم يكن على جانب من الأبهة، وكان يؤمُّه متوسطو الحال فقط، ولكن على كل حال هنا قد تناول طعام العشاء مرارًا مع مرجوت، وفي ليلة عيد الميلاد — ولكم أسرعت الذكريات في العودة! — كانت تلبس رداءً أحمر، وعندما خلعت عنها رداءها الخارجي تمايلت أمامه كالزهرة. ماذا حدث لمارجوت الصغيرة؟ لقد أحبَّته جد الحب، ولقد تفارقا على أحسن ما يتفارق الأصدقاء عندما راقت له الحياة الجديدة، لقد صاحت وبكت على كتفه، وتركت بقعة بيضاء كبيرة من مساحيق وجهها على هندامه، ولما كانت الدموع تجول في عينيه فقد وعدها ألا يغفل تناول طعام العشاء معها ليلة عيد الميلاد المقبل.
وقالت وقد رفعت وجهًا مندى إلى شفتيه: لن تغفل الحضور؟
فقال بهدوء وهو يرجو أن يلحق القطار: لن أغفل.
وبالطبع لم يَفِ بوعده، فوعود الرجال الغرامية للنساء كوعودهم لتاجر الأقمشة الذي يشترون منه بالدفع؛ فهي ترضي الاثنين في حين أنها لا تكلِّفهم شيئًا!
لم يتغير شيء في «الرستوران بلان»، حتى الزهور الصناعية التي كانت فوق رأس السيدة التي تستلم النقود كانت هي بعينها، يعلوها بعض التراب فقط، وكان هناك عدد قليل من الزبائن مبعثرين هنا وهناك على الموائد؛ ولذلك لم يجد صعوبة في أن يختصَّ لنفسه في القاعة الطويلة نفس المائدة التي كان يجلس عليها هو ومرجوت، يشرب كل منهما نخب الآخر من زجاجة من النبيذ الأحمر الرخيص الثمن.
حسنًا، أما الليلة فله أن يتناول طعام العشاء من أحسن ما يمكن أن يقدمه المطعم من الأصناف، ويمكنه أن يشرب ذكرى مرجوت من شراب غالي الثمن. ولما كان من غير الصواب أن يتناول الطعام منفردًا فإنه إذا دخلت المطعم فتاة أجمل من تلك التي تشير إليه بعينيها وتبتسم له بغير انقطاع من المائدة الأخرى، فهو لن يغفل أن يدعوها لتناول الطعام معه، فباريز مدينة لحظات لا مدينة آداب! وهنا انفتح الباب الزجاجي في آخر المطعم، ودخلت وقد هبت على أثرها نسمة من الهواء البارد ارتعد بتأثيرها الذين كانوا جالسين على مقربة من الباب.
هي أيضًا لم تتغير، حدق فيها بعينيه، وقد ارتسمت عليهما آثار الدهشة، حدَّق في كل جزء منها وهي سائرة في القاعة مقبلة نحوه، وجهها الأبيض، فمها الصغير القليل الاحمرار …
وكانت تلبس رداءً طويلًا يخفي كل جسمها، عشرة أعوام مرت لم تتغير في إبانها أقل تغيير، بينما هو قد أصبح أبيض الشعر! لقد كان الأمر غريبًا حقًّا، لقد كان حلمًا أو شيئًا آخر بلا ريب، وكان لا يزال يحدِّق في الفضاء كالحمقى حين وصلت هي وجلست أمامه، ولم يظهر على وجهها أي أثر للدهشة حين قابلت عيناها عينيه، وقالت: ها قد أتيت أخيرًا!
ووصل إليه صوتها كأنه أنَّات، وامتدت يداه إليها: أي مرجوت صغيري! إنك أجمل من أي شيء آخر، أعني أنك لم تكبري يومًا واحدًا، أما أنا فقد أصبحت كهلًا …
وامتدت يده إلى رأسه، وأزاحت هي الرداء عن ظهرها كما تتحرك السحابة وقالت: لقد كنت أوالي الحضور إلى هنا كل عام، وقد طالت مدة غيابك.
وظهرت أمامه وهي في ردائها الأحمر — وربما كان ذلك من أثر كهولته — كالزهرة، واعتذر هو قائلًا: «إن الحياة مختلفة هناك في إنجلترا، لقد كان كاهلي مثقلًا بالواجبات يا مرجوت؛ فلم يكن الحضور من السهل عليَّ، ولكني مسرور لأني رأيتك أخيرًا، هل تعلمين …؟
وكانت الخمر قد أذكت من دمه: «إنه كان على أمل رؤيتك أن حضرت إلى باريز، وعلى أمل رؤيتك حضرت إلى هنا الليلة …»
– بعد عشر سنوات؟!
وكان لصوتها رنة غريبة مثل صوت البرق …
وحرك يده: وبعد، فما هي عشر سنوات؟ إن عشر دقائق أقضيها معك يا مرجوت لتنمحي أمامها هذه السنوات العشر.»
ولما حضر الخادم يحمل في يده طبق طعام سقط الطبق فجأة من يده، وتناثرت شظاياه وقد أحدثت صوتًا مزعجًا، وظهرت الدهشة في عينيه وهو يحدِّق فيهما، ثم اعتذر لبليك: «فليسامحني سيدي وكذلك سيدتي؛ فلقد سمعت، بل إن كلنا قد سمعنا …»
ودارت عيناه على كل الذين كانوا موجودين بالمطعم.
– «إن سيدتي كانت قد ماتت، والآن أراها هنا ثانية، وهي أصغر منها سنًّا من أي وقت آخر …!»
ثم انصرف الخادم ليحضر طعامًا آخر، فضحك بليك وقال: لقد ظنك هذا الفتى شبحًا من الأشباح، هل لك أن تشربي قليلًا من الشمبانيا؟ إن الأشباح و«العفاريت» لا تشرب الشمبانيا.
وابتسمت في عينيه، ومست أصابعها أصابعه، ثم قالت وهي تشرب نخبه: إني أشرب نخب عشر سنين مضت!
وقال بليك بأسف: أي أيام كانت تلك؟! وقد أترعت كأسها بالحياة حتى فاضت على جوانبها، وكان الليل فيها أفضل من النهار. مرجوت! صغيرتي مرجوت! هيا بنا نرجع عشر سنوات إلى الوراء.
قال ذلك وقد اقتربت رأسه منها فوق المائدة.
أما هي فقد ابتسمت ببعض الاستغراب، ولكنها كانت جميلة جدًّا، وبعد فإنها قد تغيَّرت، وبينما كان يحدق فيها بنظره وهي تخلع قفازها من يدها لاحظ أن النور الداخلي الذي كان يشعُّ من وجهها الجميل قد اختفى وتركها خاملة. وكانت هناك تجويفات صغيرة تحت عينيها، وكأن أفكارًا كثيرة قد تجمَّعت فيها، واستولى عليها سكون ورصانة غريبة، وكأن أعضاء جسمها قد تأثَّرت أيضًا، ولم يكن قد عرف أبدًا أن لها مثل هذا السكون والوقار.
وعلى كل حال لقد فضَّل مرجوت الأولى، ولكن يظهر أنها بدأت تعود إليه ثانية إبَّان تناولهما الطعام، فابتدأ الضحك يتدفَّق من فمها كما يتدفَّق الماء من الينبوع، وعاد اللون إلى خديها.
والآن وجدها محبوبة حقًّا، وذهب بفكره إلى الوقت الذي سيكون فيه إلى جانبها داخل عربة تخترق بهما الشوارع الصاخبة، وإذ ذاك سيضمُّها بين ذراعيه.
ولكنه حزن جد الحزن عندما عرف أنه ليس له أن يوصلها إلى منزلها؛ إذ قالت: إنني لا أستحسن ذلك …
ولكن عندما قرأها السلام وأخذها ظلام العربة، كما يستلب ظلام الليل لون الزهرة، سمحت له أن يزورها في الغد. ولكنها قالت: ولكن لا تلمني إذا لم تجدني!
ولكنها وقد ابتسمت إذ وضعت يدها على يده، ابتسم هو أيضًا كأن فكرة مسرة قد مرَّت بفكره.
ولكنه عندما فكَّر صباح اليوم التالي في الذهاب إلى المنزل نمرة ١٥ بشارع باب سان جان وسأل عنها، حدَّقت فيه حارسة الباب باستغراق وقالت له: ولكنها قد ماتت يا سيدي!
ولكنه هزَّ كتفيه واستند إلى الباب وقال: إن هذا محال، لقد تناولت معها البارحة طعام العشاء.
فهزت حارسة الباب كتفيها بدورها وقالت: لا ريب أنه حصل خطأ يا سيدي، لقد توفيت منذ نحو ستة أسابيع، وقد رأيتهم حين أخرجوها من هنا، وكان الجناز حقيرًا أيضًا، لم تكن هناك زهرة واحدة، وإذا صدقني سيدي أخبرته أنه لم يكن عندها رغيف خبز واحد أيضًا. نعم، كان يزورها الكثيرون إبان حياتها، ولكن أي فائدة ترجى من امرأة ميتة؟!
فقال مورتيمر بليك وقد شحب وجهه: ولكني أخبرك أني تناولت معها البارحة طعام العشاء، وكانت ترتدي رداءً أحمر، ورداءً خارجيًّا أسود مُحَلًّى بالفرو، فحدجت حارسة الباب بليك بغلظة وقد وثقت أنه معتوه أو ثمل.
لم تكن هناك وسيلة …
وبينما كان يسير في الشارع الطويل الشائب، لامست خده ريح باردة كأنها يد امرأة ميتة.
عن «لويز هيلجرز‏»‏


Advertising اعلانات

357 Views