تقسيم الورث للبنات

الميراث بهذا المعنى المصطلح معروف منذ القدم، ولعل شيوعَه واهتداءَ الإنسان إليه قد كان بتسديدٍ من الوحي الإلهي للأنبياء الذين رافقوا الإنسان منذ القدم وشرَّعوا له ما يتوافق مع مصالحه وينسجم مع فطرته؛ ولا سيما وأن انتقال المال الذي أجهد المورِّثُ نفسَه في حياته لإنتاجه وتحصيله، إلى أبنائه وذوي قرابته يُثلج صدره ويُسعده، بل إنه ما كان ليجِدَّ في كسب ما يزيد عن حاجته ولا في تخزينه وجمعه لولا اعتقاده بانتقاله إلى أبنائه وذوي قرابته الذين يُعتبرون الإمتداد له والاستمرار لذِكْره؛ كذلك فإِنَّ التزام الإسلام به والتشريع له بهذا النحو المفصل، وإصرارَه على توزيع الميراث على أكثر من شخص واحد ـ بالنحو الذي سيأتي ـ يُبرز رغبته في تبديد الثروات وعدم تكديسها في يد شخص واحد، لتتداولها الأيدي بالإنماء والانتفاع فتعمر البلاد ويثرى المجتمع؛ كما أن في قَصْرِه على ذوي الأرحام، الأقربِ منهم فالأقرب، ما يعزز أواصر التضامن في داخل الأسرة، فتقوى ويتعاون أفرادها في حياتهم على ما فيه خير فقيرهم وعاجزهم، كما وأنهم يتحابُّون بذلك فيتواصلون فتنمو العلاقات وتكثر الخيرات وتشيع المودة بين الناس؛ بل إن في النسق الذي قُسِّم الميراثُ عليه قدراً وافراً من العدل، إذ لحظ التشريع.
كيفية تقسيم ميراث الميت على البنات
إذا ترك بنات فقط وليس له أولاد ، والجواب أن البنات يأخذن ثلثي مال أبيهن أو أمهن فرضا؛ لقول الله تعالى : فَـإِنْ كُـنَّ نِسَاءً فَـوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ .{الـنساء:11} فإذا كان معهن صاحب فرض مثل الأم أو الزوجة أخذ فرضه، فإذا بقي شيء بعد أصحاب الفروض أخذه أقرب عاصب.
وعلى كل حال فالبنات إذا تعددن ولم يكن معهن أخ لهن ففرضهن الثلثان لا ينزلن عنه بحال من الأحوال.
إلا أننا ننبه السائل الكريم إلى أن أمر التركات أمر خطير جداً وشائك للغاية وبالتالي فلا يمكن الإكتفاء فيه ولا الإعتماد على مجرد فتوى أعدها صاحبها طبقاً لسؤال ورد عليه، بل لا بد من أن ترفع للمحاكم الشرعية كي تنظر فيها وتحقق، فقد يكون هناك وارث لا يطلع عليه إلا بعد البحث، وقد تكون هناك وصايا أو ديون أو حقوق أخرى لا علم للورثة بها، ومن المعروف أنها مقدمة على حق الورثة في المال، فلا ينبغي إذاً قسم التركة دون مراجعة المحاكم الشرعية إذا كانت موجودة، تحقيقاً لمصالح الأحياء والأموات
نصيب البنت من الميراث
البنت الواحدة تَأخذ النِّصف بشرطين:
-انفرادها عمن يُشاركها من أخواتها؛ أي البنت الوحيدة دون شقيقاتٍ.
-عدم وجود إخوة ذكور.
بنت الابن تَأخذ النِّصف بثلاثة شروطٍ:
-عدم وجود أخٍ لها أو ابن عمٍّ لها من نفس درجتها.
-عدم وجود المُشارك لها في الميراث وهنّ: الأخت، أو بنت العمّ من نفس درجتها.
-عدم وجود الفرع الوارث الأعلى منها.
إنْ كانت البنات اثنتين فأكثر تَأخذان الثُّلثين بشرطين:
-أنْ يكون عدد البنات اثنتين أو أكثر.
-عدم وجود ابنٍ للمتوفي من صُلبه.
بنتيّ الابن مثل البنات من الصُّلب في استحقاقهنّ الثُّلثين، سواءً كانتا أختين، أم ابنتي عمٍّ متساويتين في الدّرجة؛ فتأخذان الثُّلثين قياسًا على بنتيّ الصُّلب – العمّات-؛ لأنّ ابنة الابن كالبنت تمامًا، ولكنْ لا بُد من توفر ثلاثة شروطٍ:
-أنْ يكونَ عدد بنات الابن اثنتين أو أكثر.
-عدم وجود ابن الابن سواءً أكانَ أخًا للبنات، أم ابن عمٍّ لها من نفس الدَّرجة.
-عدم وجود من هو أعلى منهما من الفرع الوارث وهم: الابن من الصُّلب، و ابن الابن، وبنات صُلبٍ، وبنات ابنٍ سواء أكانت واحدةً أو أكثر.
البنت لها نصف ميراث الأخ بشروطٍ:
-وجود الإخوة الذُّكور.
-الميراث من الأب المتوفي للأبناء الأحياء.
أنصبة المرأة في الميراث الإسلامي
إنه من الخطأ تعميم القول بأن المرأة في الميراث الإسلامي تأخذ نصف نصيب الرجل، بل الحق أن المرأة لها أربع حالات، الأولى : أن تأخذ المرأة نصف الرجل. والثانية : أن تأخذ المرأة مثل الرجل. والثالثة : أن تأخذ المرأة أكثر من الرجل. والرابعة : أن ترث المرأة ولا يرث الرجل.
-الحالة الأولى: أن ترث المرأة نصف الرجل، ولذلك أربع صور، هي الآتية:
1. إذا ورثت المتوفى ابنته مع ابنه. 2. أو بنت ابنه مع ابن ابنه.
3. أو أخته الشقيقة مع أخيه الشقيق. 4. أو أخته لأب مع أخيه لأب.
-الحالة الثانية : أن يكون نصيب المرأة مساويا لنصيب الرجل، ولهذه الحالة صور، منها :
صورة رقم (1) : إذا توفي شخص وترك بنتا وأبا، فإن نصيب البنت هو نصف الميراث، بينما نصيب الأب هو : سدس الميراث مع باقي الميراث وهو في هذه الحالة السدسان (أي : ما مجموعه النصف الآخر من التركة)، ففي هذه الحالة تأخذ بنت المتوفى مثل نصيب والد المتوفى.
صورة رقم (2) : إذا توفي شخص وترك بنتا وابن ابن، فإن نصيب البنت هو نصف الميراث، وابن الابن هنا عصبة ، والعصبة يأخذ ما بقي من التركة إن بقي منها شيء، وباقي التركة في هذه الحالة هو النصف، وهكذا ترى هنا أن بنت المتوفى قد أخذت مثل نصيب ابن ابن المتوفى.
صورة رقم (3) : إذا توفي شخص وترك بنتا وأخا واحدا، فإن نصيب البنت هو نصف الميراث، والأخ هنا عصبة، فسيأخذ باقي الميراث، والباقي في هذه الحالة هو النصف، وهكذا ترى هنا أن بنت المتوفى قد أخذت مثل نصيب أخ المتوفى.
الحالة الثالثة : أن يكون نصيب المرأة أكثر من نصيب الرجل، ولهذه الحالة صور أيضا، منها ما يلي:
صورة رقم (1) : إذا توفي شخص وترك بنتا وأما وأبا، فهذه الحالة مثل الحالة رقم (1) لكن مع زيادة الأم، وستأخذ الأم سدس الميراث، لكن هذا السدس لن يخفض من نصيب البنت شيئا، بل سيخفض من نصيب الأب، وعليه فسيكون نصيب بنت المتوفى نصف الميراث، ونصيب الأم سدس الميراث، ونصيب الأب هو : سدس الميراث مع باقي الميراث وهو في هذه الحالة السدس فقط (أي : ما مجموعه ثلث التركة)، وهكذا ترى في هذه الحالة أن بنت المتوفى قد أخذت أكثر من نصيب جدها.
صورة رقم (2) : إذا توفي شخص وترك بنتا وعشرة إخوة، فإن نصيب البنت هو نصف الميراث، والإخوة العشرة هنا عصبة، فسيأخذون الباقي، أي أن العشرة سيشتركون في نصف الميراث، وهذا يعني أن بنت المتوفى وحدها ستأخذ نصف التركة، وكل واحد من الإخوة سيأخذ (1/20) من التركة، فلو فرضنا أن المتوفى ترك مائة دونم، فستأخذ البنت وحدها خمسين دونما، وسيأخذ كل واحد من الإخوة دونمين ونصف.
صورة رقم (3) : إذا توفي شخص وترك بنتين وثلاثة أعمام، فإن نصيب البنتين معا هو الثلثان من الميراث، والأعمام الثلاثة هنا عصبة، فسيأخذون الباقي، أي أن الأعمام الثلاثة سيشتركون في باقي الميراث، وهو الثلث، وهذا يعني أن بنتي المتوفى وحدهما ستأخذان ثلثي التركة، وكل واحد من الأعمام سيأخذ (1/9) من التركة، فلو فرضنا أن المتوفى ترك تسعين دونما، فستأخذ كل بنت ثلاثين دونما، وسيأخذ كل واحد من الأعمام عشرة دونمات.
الحالة الرابعة : أن ترث المرأة ولا يرث الرجل.
ولهذه الحالة صور، منها ما يلي:
صورة رقم (1) : إذا توفي شخص وترك بنتا وأختا شقيقة وأخا لأب، فإن البنت ستأخذ نصف الميراث، والأخت الشقيقة هنا عصبة مع البنت، فستأخذ الباقي، وكل من البنت والأخت الشقيقة معا سيحجبان الأخ لأب ولن يرث شيئا، بينما لو لم توجد الأخت الشقيقة ، فسيكون الأخ لأب عصبة وسيأخذ هو الباقي، وهذا يعني أن الأخت الشقيقة مع البنت حجبا الأخ لأب.
تنبيه هام:
إن أصحاب الفروض هم : “الوارثون الذين يرثون كسرا محددا ونسبة معينة من التركة”، كالنصف أو الثلث أو الربع أو السدس، بينما العصبات بالنفس فهم : “الوارثون الذين يرثون ما يبقى من التركة بعد أصحاب الفروض”، ويلاحظ أن أكثر أصحاب الفروض نساء، وأن جميع العصبات بالنفس رجال، وهذا يعني ما يلي :
1 ) أن أولوية التقسيم في الميراث هي لأصحاب الفروض الذين أغلبهم من النساء، ثم ما يبقى يعطى للعصبات بالنفس الذين جميعهم رجال.
2 ) إنه لا مجال لأن يقل نصيب المرأة عن تلك النسبة المحددة لها في الشرع، فلو شاركها وارثون آخرون في الميراث فلن تقل نسبتها عما حدده لها الشرع، أما الرجل الذي هو عصبة بالنفس فكلما دخل في الميراث وارث غيره قل نصيبه، ولو أن أصحاب الكسور أخذوا جميع التركة فإن هذا العصبة من الرجال لن يأخذ شيئا.
3 ) لو أن أصحاب الكسور زاد مجموع كسورهم عن الواحد الصحيح ، أي : زادت أنصبتهم عن القيمة الكلية للميراث، فإن الشرع أوجب توريثهم جميعا، حيث تقسم التركة بطريقة تسمى “العول” ، حيث أن العول يضمن لكل صاحب كسر أن يأخذ نسبته المحددة شرعا، بينما لو أخذ أصحاب الكسور جميع التركة ولم يبق من التركة مال، فإن العصبة من الرجال لن يأخذ شيئا، وهكذا يتبين لك أن الشرع لا يجري العول للعصبات، وإنما يجريه لأصحاب الفروض فقط.