تطور الحكمة في العصر العباسي

كتابة سلمى الشمري - تاريخ الكتابة: 6 سبتمبر, 2020 6:19 - آخر تحديث : 19 ديسمبر, 2022 12:30
تطور الحكمة في العصر العباسي

Advertising اعلانات

تطور الحكمة في العصر العباسي وماهوا مفهوم الحكمة الصحيح كل ذلك من خلال هذه السطور التالية.

الأدب في العصر العباسي

كان مفهوم العلماء للثقافة واسعًا يمثل المعرفة بأسرها ومن هنا كان تعريف الأديب والمثقف في عرفهم بأنه: “الشخص الذى يعرف طرفًا من كل علم”، وتظهر هذه الصفة في المؤلفات الأدبية عامة، فلم تقتصر هذه الكتب على نوع واحد من الأدب، فقد كان الأديب لغويًا، ومؤرخًا، وجغرافيًا وملمًا بأطراف المعارف الأخرى. وقد كان هذا العصر عصر قيام نهضة أدبية علمية وخاصة في الشعر ، ولم تستقل بغداد وحدها ولا قرطبة وحدها بهذه الظاهرة، بل وجدنا كثيرًا من الدول التى انبثقت عن الدولة العباسية أو قامت في ظلالها يتنافس بعضها مع بعض في رفع منار الأدب والعلم، حتى ولو كان ملوكها وأمراؤها من الأعاجم، فإن هؤلاء الأمراء الأعاجم قد شجعوا العربية في معرض تشجيعهم للعلم والثقافة، فقد كانت لغة الضاد وهى لغة العلم المشتركة تنتشر في تلك الأصقاع والدويلات، بل شجعوا الشعر العربىّ، وأثابوا على نظمه، وأجزلوا العطايا لقائليه على حين كان بعض هؤلاء الأمراء الأعاجم ينظمون الشعر ويتذوقونه، ويفرقون بين جيده ورديئه، فما بالك إذا كان هذا الأمير الذى على دويلة تابعة عربي الأصل.

عوامل ازدهار الشعر في العصر العباسي

1. الحرية الواسعة التي وجدها الشعراء في ساحة النظم, فقد اطلقوا العنان لخيالهم الخصب في كل شيء وجدوه أمامهم, معبّرين بمشاعرهم ووجدانهم دون خوف او تردد او استحياء .
2. التوسع الحضاري وانتشار الثقافة الاسلامية وانفتاح الناس على عوالم جديدة من المعرفة والثقافات الجديدة .
3. مظاهر الطبيعة الخلابة وماحوتهُ من انهار وازهار واطياف حيث فسحت المجال للشعراء ولاسيما شعراء الوصف لتقديم قصائد ومقطوعات رائعة في هذا المجال .
4. كانت مجالس الخلفاء منتدى لهؤلاء الشعراء وملتقى الظرفاء الذين يأتونها من كل مكان طلباً للكسب او التمتّع بملذات الحياة التي كانت قائمة انذاك و رؤية معالم الحضارة في ظل الدولة الجديدة.
5. اغلب الخلفاء العباسيين كانوا مثقفين وشعراء لهم مناقشات ومناظرات ومحاورات دونتها كتب التراجم والسير والآداب والمصنفات في هذا المجال.
6. حب الخلفاء للشعر وتقديرهم للشعراء وتشجيعهم للنظم والانشاد.
7. اغداق الاموال الوفيرة على الشعراء مما شجّعهم على الاكثار من قول الشعر.
8. ان الحضارة في العصر العباسي الاول دخلت في كل منحى من مناحي الحياة في النظم والتقاليد ومجالس الطرب والغناء وبناء الدور والقصور واستخدام وسائل جديدة في الأطعمة والألبسة وفي الفرش والآثاث والزينة، كل هذه الامور مجتمعة دعت الشعراء الى النظم في موضوعات مختلفة وجديدة لم تكن معروفة في العصور السابقة.

الشعر في العصر العباسى

حين ازداد تمزق الخلافة؛ تعددت العواصم التى حاولت احتضان الشعراء والأدباء وشجعتهم على القول. فإلى جانب بغداد تنهض حلب عاصمة الحمدانيين، وبخارى و سمرقند مركزا الحكم الساماني.
وقد طرأت على الشعر تغيرات عديدة، فقد ضعفت فيه مواضيع وقويت مواضيع أخرى، ونشأت فيه أغراض لم تكن موجودة من قبل أو كانت ضئيلة محددة المجال، وتغيرت معانيه، وأخيلته، والألفاظ المستعملة فيه.

شعر الحكمة في العصر العباسي

عُرفت الحكمة في أشعار الشّعراء الجاهليّين، إلّا أنّها توسّعت كثيرًا في العصر العباسي، ومن شعراء الحكمة في هذا العصر: أبو تمام وبشّار بن برد وصالح عبد القدّوس، وقد أثّرت حركة التّرجمة الواسعة في شعر الحكمة، فيُلاحَظ أنّ شعراء بني العبّاس استوعبوا حكم اليونان والفرس وحكم كليلة ودمنة الهنديّة التي ترجمت للفارسيّة ثمّ نقلها ابن المقفّع إلى العربيّة فتمثّلوا كلّ ذلك شعرًا، وضمّنوا بعضه أبياتهم، وما كادوا يقعون على كتابيّ الأدب الكبير والأدب الصّغير اللّذين نقل فيهما ابن المقفع تجارب الفرس وحكمهم ووصاياهم في الصّداقة والمشورة وآداب السّلوك حتّى أخذوا يفردون المقطّعات في تصويرها شعرًا، يقول بشار بن برد في إحدى مدائحه:
إذا بلغَ الرأيُ المشورةَ فاستعـن
برأيِ نــصيحٍ أو نصيحةِ حازمِ
ولا تجعلِ الشّورى عليك غضاضةً
مكانُ الخوافي نافعٌ للقـــوادمِ
ويقال: إنّه كان في ديوان صالح
بن عبد القدوس ألف مثل للعجمِ
ولقد كانت حِكَمُ العصور الأدبيّة السّابقة تبدو منثورة في قصيدة المديح أوالهجاء أوالرّثاء أو حتّى الغزل، لتلخّص تلك التّجربة في حكمة أو اثنتين خلال القصيدة، فزهير بن أبي سلمى ضمَّن معلقته شذرات من تجربته تخدم غرض القصيدة، وتميّز شعر الحكمة العبّاسي بإفراد قصائد أو مقطوعات كاملة للحكمة، ينتقل الشّاعر فيها من عرش الشّاعر العفويّ إلى كرسي الناظم المعلم، يجمع فيها كل ما وافق وزنُه وثمُنَ معناه، من ذلك قصيدة (ذات الأمثال) لأبي العتاهية التي جمع فيها كثيرًا من الأمثال البليغة، إذ تبلغ نحو أربعة آلاف مَثَل، ومن الشّعراء الذين كانت لهم في الحكمة قصائد كاملة صالح بن عبد القدوس، يقول:
المَرءُ يَجمَعُ وَالزّمـــــانُ يُفـــرِّقُ
وَيَظــــلُّ يــَرقّعُ وَالخُطُوبُ تُمَزِّقُ
وَلأن يُعــــــادي عاقِـــــلاً خَيرٌ لَهُ
مِن أَن يَكــــونَ لَــهُ صَديقٌ أَحمَقُ
مِن أَن يَكــــونَ لَــهُ صَديقٌ أَحمَقُ
إنّ الصّديقَ عَلى الصّديقِ مُصدَّقُ
وَزِنِ الكَــــلامَ إذا نَطَقتَ فَإِنَـــــّما
يُبْدي عُيوبَ ذَوي العُقُولِ الْمَنْطِقُ

الأمثال في العصر العباسي

اهتم العلماء العرب بالأمثال فجمعوها، وألفوا فيها الكتب، ومن أشهرها “مجمع الأمثال” للميداني، جمعه مؤلفه من نحو خمسين كتابًا في الأمثال، ورتبه على حروف المعجم بعد أن أضاف إليه أمثال المولدين، وهو أجمع كتاب في الأمثال العربية، و”المستقصى في الأمثال” للزمخشري -وهو معجم للأمثال العربية- مرتب على حروف المعجم حسب أوائل الأمثال. والمثل: عبارة موجزة تلخص مغزى تجربة مر بها الفرد أو الجماعة أو خلاصة رأى حكيم، ولما كانت الأمثال نتيجة تجارب الأمة جيلا بعد جيل أصبحت دراستها مهمة لمعرفة درجة عقلية الأمة، وأخلاقها، وعاداتها، وظروفها، وتنطلق كثير من الأمثال عفويًا من تجارب أبناء الشعب، وتشيع على ألسنتهم بلغة تخاطبهم دون صقل وتهذيب، وهذا ما يجعلها أدل على نفسية الشعب، ومستوى عقليته، ولهذا قيل “المثل هو صوت الشعب”.


Advertising اعلانات

785 Views