الكبائر المذكورة في القرآن

لَمّا نزل قوله تعالى في سورة الزمر {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} ، قال بعض الصحابة يا رسول الله أيغفر الله الكبائر والصغائر ؟ فنزلت هذه الآية (إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) والمعنى إن تجتنبوا الكبائر نكفّر عنكم الصغائر إذا تبتم ، يعني إن تبتم عن ذنب صغير نقبل توبتكم ، وإن تبتم عن ذنب كبير فلا نقبل توبتكم حتّى يقام عليكم الحدّ إن كان فيه حدّ وترجعوا أموال الناس وحقوقهم إن كنتم اغتصبتم حقوقهم ثمّ تتوبون فحينئذٍ نقبل توبتكم . فالسارق يجب عليه أن يعيد المال الذي سرقه إلى صاحبه ثمّ يتوب ، وعاقّ الوالدين يجب عليه أن يرضي أبويه ثمّ يتوب ، وقاتل النفس يجب عليه أن يدفع ديتها ثمّ يتوب ، والذي يرمي المحصنة بالفحشاء1 يجب عليه أن يطلب رضاها فيدفع لها الأموال أو يعمل معها معروفاً حتّى ترضى عليه وتغفر له زلّته ثمّ يتوب ، وهكذا يجب عليه أن يؤدّي حقوق الناس التي اغتصبها ثمّ يتوب فتقبل توبته وإلاّ فلا .
والكبائر كلّ ذنب يقام عليه الحدّ ، أو اغتصاب حقّ من حقوق الناس ، وأعظم الكبائر الإشراك بالله ، ومن الكبائر قتل النفس المؤمنة وأكل الربا وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة وعقوق الوالدين والفرار من الزحف في قتال الكافرين ، والزنا بامرأةٍ متزوّجة ، ومنع المرأة من الزواج ، والفتنة بين صديقين حتّى تكون بينهما العداوة ، وإيقاع المحصنة بالزنا وغيرها من الذنوب (وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا) اي مكاناً طيباً حسناً وذلك لِمن تجنّب الكبائر وتاب عن الصغائر .
درجات الكبائر:
الكبائر درجات متفاوتة في الإثم والعقوبة، وبعضها أشد من بعض، وأكبر الكبائر وأعظمها الكفر والشرك بالله، فالكفر بالله أعظم من الشرك، والشرك أعظم من القتل، والقتل أعظم من الزنا، والزنا أعظم من القذف… وهكذا.
وكل كبيرة تنقسم إلى كبير وأكبر، وعظيم وأعظم، وفاحش وأفحش.
فالكفر بالملائكة أو الكتب أو الرسل أو اليوم الآخر من أعظم الكبائر، فإذا قرن مع ذلك الكفر بالله كان أكبر وأعظم وأفحش.
والشرك في عبادة الله أكبر الكبائر، فإذا جعل مع الله شريكاً في الخلق والأمر كان أفحش وأعظم وأكبر.
وقتل النفس بغير حق من الكبائر المهلكات، فإن قتل أصلاً أو فرعاً، أو ذا رحم كان أعظم وأفحش، فإن كان القتل في الحرم وفي شهر حرام فهو أشد فاحشة وإثماً.
والزنا من كبائر الذنوب، فإن كان بذات محرم أو بحليلة جاره كان أفحش وأعظم، فإن كان في نهار رمضان، أو في الحرم، أو جاهر به فهو أشد فاحشة وإثماً.
وشرب الخمر من الكبائر، فإن كان في نهار رمضان، أو في الحرم أو جاهر به فهو أشد فحشاً.. وهكذا.
والكذب من الكبائر، فإن كان كذباً على الأمة فهو أشد وأفحش، فإن كان كذباً على الله ورسوله فهو أشد فحشاً وإثماً… وهكذا.
الكبائر التي نصت عليها السنة:
الكبائر والصغائر لا حصر لها.
والكبائر التي وردت في السنة بالنص الصريح ثلاث عشرة كبيرة، وهي:
الإشراك بالله.. وعقوق الوالدين.. وشهادة الزور.. وقتل النفس بغير حق.. والسحر.. وأكل مال اليتيم.. وأكل الربا.. والتولي يوم الزحف.. وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات.. واليمين الغموس.. وشتم الرجل والديه.. وقتل الولد.. والزنا بزوجة الجار.
وأما الذنوب التي لم يُنص عليها في آية أو حديث صحيح أنها من الكبائر فكثيرة جداً، وأكثرها قائم على تصور مفاسدها، أو قياسها على الكبائر المنصوص عليها، أو على كل وعيد أو لعن ونحوهما مما نهى الله ورسوله عنه.
أكبر الكبائر في الإسلام
من المعلوم أنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم قد بيّن للأمّة عدداً من الذّنوب والمعاصي تعدّ من الكبائر وهي ما ارتبطت بوعيد الله تعالى وعذابه، فهي تختلف عن صغائر الذّنوب من حيث إنّ الصّغائر تكفّر عن الإنسان بمجرّد الاستغفار منها والإنابة إلى الله تعالى بتوبة نصوح، وقد يكون هناك عددٌ من الأعمال تكفّرها مثل العمرة إلى العمرة حيث إنّها كفّارة للذّنوب إذا اجتنبت الكبائر، بينما كبائر الذّنوب فإنّه تقبل توبة العبد منها ولكن يكون أمره إلى الله تعالى إن شاء غفر له وإن شاء عذّبه، ومن بين تلك الكبائر عمل يعدّ من كبائر الذّنوب وهو الشّرك بالله تعالى، فما هو الشّرك بالله تعالى؟
الشّرك بالله تعالى هو أن يشرك العبد في عبادته غير الله تعالى من بشرٍ أو حجرٍ أو غير ذلك، لذلك سمّى الله تعالى الكفّار في عهد الجاهليّة مشركين بسبب أنّهم أشركوا شركاء بزعمهم في عبادتهم مع الله، فكانوا يعبدون الأصنام وهي في ظنّهم أنّها وسيلةٌ تقرّبهم إلى الله تعالى، فجاء النّبي محمّد صلّى الله عليه وسلّم برسالة التّوحيد إليهم ليخرجهم من ظلمات الشّرك إلى نور التّوحيد، فأبطل كلّ معتقدات الشّرك وأعماله، فأصبح النّاس موحّدين في القول والعمل والاعتقاد.
وقد بيّن الله تعالى أنّه لا يغفر الشّرك به ويغفر ما دون ذلك من الذّنوب، في قوله تعالى ( إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، وعدّه الله تعالى من الضّلال البعيد والخسران المبين، وفي الحديث أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه، كما ذكره رسول الله عليه الصّلاة والسّلام في جملة الكبائر الموبقات بل كان على رأسها.
وهناك شركٌ خفي لا يتنبّه إليه كثيرٌ من النّاس وهو الرّياء الذي حذّر منه النّبي عليه الصّلاة والسّلام، حيث يصلي الإنسان مثلاً وهو يراعي كيف ينظر النّاس إليه، فتراه يجوّد من صلاته ويخشع فيها حتى يقال عنه كذا وكذا، كما أنّ كثيراً من الأعمال التي نراها عند القبور من حيث التّمسّح بها والتّبرك والاستغاثة بالأولياء تعدّ من درجات الشّرك التي جاء الإسلام ليبطلها جميعها، وأخيراً على المسلم أن يحرص على أن يكون صحيح العقيدة موحّداً لله في شأنه كلّه، وفي الأثر لا يرجونّ أحدٌ إلا ربّه ولا يخافنّ إلا ذنبه، جعلنا الله جميعاً من يعبد الله حقّ عبادته.
الذنوب الكبائر المذكورة في القرآن
أمثل الأقوال في هذه المسألة القول المأثور عن ابن عباس، وذكره أبو عبيد، وأحمد بن حنبل، وغيرهما وهو‏:‏ أن الصغيرة ما دون الحدين‏:‏ حد الدنيا، وحد الآخرة‏.‏
وهو معنى قول من قال‏:‏ ما ليس فيها حد في الدنيا‏.‏
وهو معنى قول القائل‏:‏ كل ذنب ختم بلعنة، أو غضب، أو نار، فهو من الكبائر ‏.
‏‏ ومعنى قول القائل‏:‏ وليس فيها حد في الدنيا، ولا وعيد في الآخرة، أي كالوعيد بالنار، والغضب، واللعنة، وذلك لأن الوعيد الخاص في الآخرة، كالعقوبة الخاصة في الدنيا، فكما أنه يفرق في العقوبات المشروعة للناس بين العقوبات المقدرة بالقطع، والقتل، وجلد مائة، أو ثمانين،وبين العقوبات التي ليست بمقدرة‏:‏ وهي ‏[‏التعزير‏]‏ فكذلك يفرق في العقوبات التي يعزر الله بها العباد في غير أمر العباد بها بين العقوبات المقدرة‏:‏ كالغضب، واللعنة، والنار، وبين العقوبات المطلقة‏.‏
وهذا يسلم من القوادح الواردة على غيره، فإنه يدخل كل ما ثبت في النص أنه كبيرة‏:‏ كالشرك، والقتل، والزنا، والسحر، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وغير ذلك من الكبائر التي فيها عقوبات مقدرة مشروعة، وكالفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وشهادة الزور؛ فإن هذه الذنوب وأمثالها فيها وعيد خاص، كما قال في الفرار من الزحف‏:‏ ‏{‏‏وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ‏}‏‏ ‏[‏الأنفال‏:‏16‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏‏إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً‏}‏‏‏[‏النساء‏:‏ 10‏]‏، وقال‏:‏‏{‏‏وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ‏}‏‏‏[‏الرعد‏:‏25‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏‏فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ‏}‏‏‏[‏محمد‏:‏22- 23‏]‏، وقال تعالى ‏:‏ ‏{‏‏إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏‏‏[‏آل عمران‏:‏77‏]‏ ‏.
‏‏ وكذلك كل ذنب توعد صاحبه بأنه لا يدخل الجنة، ولا يشم رائحة الجنة، وقيل فيه‏:‏ من فعله فليس منا، وأن صاحبه آثم، فهذه كلها من الكبائر‏.
‏‏ كقوله صلى الله عليه وسلم ” لا يدخل الجنة قاطع‏”‏‏ وقوله “لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر‏” وقوله “من غشنا فليس منا‏”‏‏، وقوله “من حمل علينا السلاح فليس منا‏”‏‏، وقوله “لا يزني الزاني حين يزنى، وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن‏”‏‏‏.
‏‏ وذلك لأن نفي الإيمان، وكونه ليس من المؤمنين، ليس المراد به ما يقوله المرجئة‏:‏ أنه ليس من خيارنا، فإنه لو ترك ذلك لم يلزم أن يكون من خيارهم، وليس المراد به ما يقوله الخوارج‏:‏ إنه صار كافراً‏.‏
ولا ما يقوله المعتزلة ‏:‏ من أنه لم يبق معه من الإيمان شيء، بل هو مستحق للخلود في النار لا يخرج منها، فهذه كلها أقوال باطلة، قد بسطنا الكلام عليها في غير هذا الموضع‏.‏
ولكن المؤمن المطلق في باب الوعد والوعيد،وهو المستحق لدخول الجنة بلا عقاب، هو المؤدي للفرائض،المجتنب المحارم،وهؤلاء هم المؤمنون عند الإطلاق،فمن فعل هذه الكبائر لم يكن من هؤلاء المؤمنين،إذ هو متعرض للعقوبة على تلك الكبيرة‏.‏وهذا معنى قول من قال‏:‏أراد به نفي حقيقة الإيمان،أو نفي كمال الإيمان،فإنهم لم يريدوا نفي الكمال المستحب،فإن ترك الكمال المستحب لا يوجب الذم والوعيد، والفقهاء يقولون‏:‏الغسل ينقسم إلى‏:‏ كامل،ومجزئ‏.‏
ثم من عدل عن الغسل الكامل إلى المجزئ لم يكن مذموماً‏.
‏‏ فمن أراد بقوله‏:أنه نفي الكمال المستحب، فقد غلط، وهو يشبه قول المرجئة، ولكن يقتضي نفي الكمال الواجب‏.
‏‏ وهذا مطرد في سائر ما نفاه الله ورسوله؛ مثل قوله‏:‏ ‏{‏‏إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً‏}‏‏‏[‏الأنفال‏:‏2ـ4‏]‏ ومثل الحديث المأثور “لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له‏”،، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم “لا صلاة إلا بأم القرآن‏”‏‏ وأمثال ذلك، فإنه لا ينفي مسمى الاسم إلا لانتفاء بعض ما يجب في ذلك، لا لانتفاء بعض مستحباته، فيفيد هذا الكلام أن من فعل ذلك فقد ترك الواجب الذي لا يتم الإيمان الواجب إلا به، وإن كان معه بعض الإيمان‏.‏
فإن الإيمان يتبعض ويتفاضل‏.
‏‏ كما قال صلى الله عليه وسلم “يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان‏”‏‏‏.
‏‏ والمقصود هنا أن نفي الإيمان والجنة، أو كونه من المؤمنين، لا يكون إلا عن كبيرة‏.‏ أما الصغائر فلا تنفي هذا الاسم والحكم عن صاحبها بمجردها، فيعرف أن هذا النفي لا يكون لترك مستحب، ولا لفعل صغيرة، بل لفعل كبيرة‏.
‏‏ وإنما قلنا‏:‏ إن هذا الضابط أولى من سائر تلك الضوابط المذكورة لوجوه‏:‏
أحدها‏:‏ أنه المأثور عن السلف‏.‏ بخلاف تلك الضوابط، فإنها لا تعرف عن أحد من الصحابة والتابعين والأئمة، وإنما قالها بعض من تكلم في شيء من الكلام، أو التصوف بغير دليل شرعي، وأما من قال من السلف‏:‏ إنها إلى السبعين أقرب منها إلى السبع، فهذا لا يخالف ما ذكرناه‏.‏ وسنتكلم عليها إن شاء الله واحداً واحداً‏.
‏‏ الثاني‏:‏ أن الله قال‏:‏ ‏{‏‏إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً‏}‏‏ ‏[‏النساء‏:‏31‏]‏، فقد وعد مجتنب الكبائر بتكفير السيئات، واستحقاق الوعد الكريم، وكل من وعد بغضب الله أو لعنته، أو نار أو حرمان جنة، أو ما يقتضي ذلك، فإنه خارج عن هذا الوعد، فلا يكون من مجتنبي الكبائر، وكذلك من استحق أن يقام عليه الحد، لم تكن سيئاته مكفرة عنه باجتناب الكبائر؛ إذ لو كان كذلك لم يكن له ذنب يستحق أن يعاقب عليه، والمستحق أن يقام عليه الحد له ذنب يستحق العقوبة عليه‏.‏
الثالث‏:‏ أن هذا الضابط مرجعه إلى ما ذكره الله ورسوله في الذنوب، فهو حد يتلقى من خطاب الشارع، وما سوى ذلك ليس متلقى من كلام الله ورسوله، بل هو قول رأي القائل وذوقه من غير دليل شرعي، والرأي والذوق بدون دليل شرعي لا يجوز‏.‏
الرابع‏:‏ أن هذا الضابط يمكن الفرق به بين الكبائر والصغائر، وأما تلك الأمور فلا يمكن الفرق بها بين الكبائر والصغائر، لأن تلك الصفات لا دليل عليها ،لأن الفرق بين ما اتفقت فيه الشرائع واختلفت لا يعلم إن لم يمكن وجود عالم بتلك الشرائع على وجهها،وهذا غير معلوم لنا‏.‏
وكذلك هو من الأمور النسبية والإضافية، فقد يسد باب المعرفة عن زيد ما لا يسد عن عمرو، وليس لذلك حد محدود‏.
‏‏ الخامس‏:‏ أن تلك الأقوال فاسدة‏.‏
فقول من قال‏:‏ إنها ما اتفقت الشرائع على تحريمه، دون ما اختلفت فيه، يوجب أن تكون الحبة من مال اليتيم، ومن السرقة، والخيانة، والكذبة الواحدة، وبعض الإساءات الخفية، ونحو ذلك كبيرة‏.‏ وأن يكون الفرار من الزحف ليس من الكبائر، إذ الجهاد لم يجب في كل شريعة، وكذلك يقتضي أن يكون التزوج بالمحرمات بالرضاعة والصهر وغيرهما ليس من الكبائر، لأنه مما لم تتفق عليه الشرائع، وكذلك إمساك المرأة بعد الطلاق الثلاث، ووطؤها بعد ذلك‏.‏
مع اعتقاد التحريم‏.
‏‏ وكذلك من قال‏:‏ إنها ما تسد باب المعرفة، أو ذهاب النفوس والأموال، يوجب أن يكون القليل من الغضب والخيانة كبيرة، وأن يكون عقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، وشرب الخمر، وأكل الميتة، ولحم الخنزير، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، ونحو ذلك ليس من الكبائر‏.‏
ومن قال‏:‏ إنها سميت كبائر بالنسبة إلى ما دونها، وأن ما عصى الله به فهو كبيرة، فإنه يوجب ألا تكون الذنوب في نفسها تنقسم إلى كبائر وصغائر، وهذا خلاف القرآن‏.‏
فإن الله قال‏:‏ ‏{‏‏الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ‏}‏‏‏[‏النجم‏:‏32‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏‏الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ‏}‏‏‏[‏الشورى‏:‏37‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏‏إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ‏}‏‏‏[‏النساء‏:‏31‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏‏مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا}‏‏ ‏[‏الكهف‏:‏49‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏‏وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ‏}‏‏ ‏[‏القمر‏:‏53‏]‏ والأحاديث كثيرة في الذنوب الكبائر‏.
‏‏ ومن قال‏:‏ هي سبعة عشر، فهو قول بلا دليل‏.
‏‏ ومن قال ‏:‏ إنها مبهمة، أو غير معلومة، فإنما أخبر عن نفسه أنه لا يعلمها‏.
‏‏ ومن قال‏:‏ إنه ما توعد عليه بالنار، قد يقال‏:‏ إن فيه تقصيراً إذ الوعيد قد يكون بالنار، وقد يكون بغيرها، وقد يقال‏:‏ إن كل وعيد فلابد أن يستلزم الوعيد بالنار‏.‏
وأما من قال: إنها كل ذنب فيه وعيد، فهذا يندرج فيما ذكره السلف ؛فإن كل ذنب فيه حد في الدنيا ففيه وعيد من غير عكس، فإن الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وقذف المحصنات، ونحو ذلك فيها وعيد‏.‏
كمن قال‏:‏ إن الكبيرة ما فيها وعيد.